Bourganenf » ثم نقلوه إلى روما في زمن البابا اينوشنسيوس الثامن، ولما ارتقى إسكندر بو رجيا إلى كرسي البابوية بعث إلى السلطان بايزيد يعرض عليه هذه المساومة، وهو أنه إن أراد أن يقتل له أخاه فهو يتقاضى على ذلك ثلاث مئة ألف دوكا، وإن كان يكتفي بحبسه فهو يطلب على ذلك أربعين ألف دوكا في السنة، وفي أثناء ذلك زحف كارلوس الثامن ملك فرنسا إلى إيطاليا فتخلص جم من البابا مدة قصيرة، إلا أن ملوك النصرانية حاولوا أن يستعملوه لإثارة الفتنة في المملكة العثمانية، فاتفق فرسان رودس مع ملك إيكوسية والمجر وبولونيا وفرنسا والمرديا من الأرناءوط وغيرهم على أن يزحفوا بجم ويقاتلوا السلطان بايزيد، فبلغ ذلك السلطان فأرسل إلى البابا المبلغ الذي اقترحه من المال لأجل قتل جم، فسموه في نابولي في 24 فبراير 1495 ومات مسموما وتخلص بايزيد من أخيه.
وبعد موت أخيه حاول بايزيد أن يشن الغارة على إيطاليا إلا أن الأحوال لم تساعده إذ كانت الحرب قد اشتعلت بينه وبين الدولة المصرية، فإن المصريين كانوا قد احتلوا بعض القلاع بقرب طرسوس وأطنه، فأمر السلطان بايزيد قرة جوز باشا والي القرامان بأن يطردهم من هناك، ولكن المصريين تغلبوا على جيش بايزيد واشتدت الحرب بين الفريقين، وبينما الحرب قائمة بين السلطان بايزيد وسطان مصر مات ملك المجر ماتياس كورفين، فاهتبل بايزيد هذه الغرة وأغار على المجر من جهة وحاصر بلغراد من جهة أخرى، وكان قائد عسكره في المجر سليمان باشا فهزمه المجر ورجع أدراجه، ورفع الترك الحصار عن بلغراد، إلا أن السلطان دخل في بلاد الألمان مثل كارنتيا واستيريا وعاث وغنم وسبى، وكان معه من المسيحيين خمسة عشر ألف أسير يجرهم الجيش العثماني من ورائه، فزحف الألمان بقيادة الكونت كينز والتقى الجمعان في كارنتيا فأفلت الأسرى المسيحيون من الوراء ووقع العثمانيون في الوسط، فانكسروا وفعل فيهم المسيحيون الأفاعيل وعذبوا فشنوا الغارة على استيريا وهزموا الألمان.
وسنة 1495 عقد الأتراك هدنة مع المجر ووجهوا قوتهم لقتال البندقية وقهر الأسطول العثماني أسطول البندقية واستولى على لبيانت، وغزا إسكندر باشا والي بوسنة بلاد طارنت وخربها تخريبا تاما، وكان أمير البحر داود باشا استولى على مورون ونافارين وكورون، فوجدت البندقية نفسها عاجزة وحدها عن مقاومة العثمانيين فاتفقت مع دول النصرانية فرنسا وإسبانيا والمجر والبابا على مقاتلة السلطة بايزيد وبثوا أساطيلهم من كل جهة، وفي أثناء ذلك ثارت قبائل القرامان على السلطان فألجأته الضرورة إلى عقد الصلح.
وفي ذلك العهد ظهر اسم «الروس» وكانوا من قبل تحت حكم المغول - أي التتر - ولبثوا تحت حكمهم إلى سنة 1481 حينما ظهر منهم «الغراندوق إيفان الثالث» فهزم التتر ووحد كلمة الروس، وفي سنة 1492 طلب إيفان الثالث محالفة السلطان بايزيد، وجاء سفراؤه بعد ذلك إلى إسطنبول وانعقد الاتفاق بين بايزيد وإيفان واضطر السلطان إلى السلم لأنه كان حصل زلزال خارج للعادة انهدم فيه سبعون ألف بيت ومئة وتسعة جوامع في القسطنطينية، وخربت مدن كثيرة مثل أدرنة وغاليبولي ويموطيقة وشورلو.
وكان بايزيد قد قسم ولايات السلطنة بين أولاده، فأعطى كلا منهم ولاية، وأخطأ في هذا التدبير لأنهم بدءوا يقتتلون بعضهم مع بعض في حياة أبيهم بل ثار به ابنه سليم واستولى على بعض المدن، فقام أخوه قورقود واستولى على مدن أخرى، وكان الانكشارية يميلون إلى سليم فطلبوا من السلطان أن يعتزل الملك وأن يولي السلطان سليما فلم يجد بدا من إجابتهم، ومات بعد ذلك بقليل. ويقال إنه كان حليما محبا للعلم والعلماء، وللشعر والأدب، وإنه لم يكن يحب الحرب بفطرته، وإنما كان يساق إليها بالضرورة. وقام بإصلاحات كثيرة، وفي زمانه وجدت العلاقات الرسمية بين الدولة العثمانية والدول المسيحية، وفي زمانه نبغ من العلماء المولى محيي الدين محمد بن إبراهيم البلكساري، وكان مدرسا في قسطمونى، ثم جاء إلى القسطنطينية، وكان السلطان يحضر درسه في جامع آيا صوفيا، وكان بارعا في علم التفسير وصنف تفسيرا لسورة الدخان وأهداه للسلطان بايزيد.