ولم يكن السلطان الفاتح من أعظم الفاتحين في الحروب فقط، بل امتاز بحسن الإدارة، وتنظيم الملك وهو الذي حرر النظام المسمى «بقانون نامه» وفيه جميع أنظمة السلطنة من عملية، وإدارية، وسياسية، وعسكرية، وسارت الدولة العثمانية بموجب هذه الأنظمة مدة طويلة، ولا سيما التراتيب المتعلقة للقضاة والعلماء والمدرسين، فإنه اعتنى بها الفاتح أشد الاعتناء، وكان الفاتح نفسه على جانب عظيم من العلم وحسن الثقافة يتكلم بلغات متعددة، وكان بدون شك من أعاظم رجال الدهر ومن حسنات الإسلام الكبرى، وجميع هؤلاء السلاطين من عثمان إلى الفاتح لم يوجد منهم إلا بطل مجاهد وسلطان عظيم الشأن، وقلما تصادف ذلك في دولة أخرى بهذا النسق خلفا عن سلف.
وفي زمان السلطان محمد الفاتح نبغ من العلماء:
المولى خسرو قاضي العسكر المنصور أخذ العلم عن المولى حيدر الهريو وصار مدرسا بمدينة أدرنة، ولما فتح السلطان القسطنطينية جعله قاضيا فيها مع التدريس في آيا صوفيا، وكان إذا دخل جامع آيا صوفيا يقوم له من الجامع كلهم، ويصلي عند المحراب، وكان السلطان ينظر إليه من مكانه ويقول لوزرائه: انظروا هذا أبو حنيفة رفاقه. وكان كثير الاشتغال بالمطالعة، وله تآليف متعددة ومساجد متعددة بناها في القسطنطينية ومات فيها ونقل جثمانه إلى بروسة.
ومنهم خير الدين خليل بن القاسم بن الحاج صفا.
ومنهم المولى محمد الشهير ب«زيرك وكان مدرسا بمدرسة السلطان مراد في بروسة ووقعت له مناظر من خواجه زاده، فوقع في نفس المولىزيرك شيء فترك القسطنطينية وذهب إلى بروسة، فعاد السلطان يحاول تطييب خاطره وعرض عليه مناصب عالية فرفضها.
ومنهم مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البورسوي المشتهر بين الناس بخواجه زاده، والمذكور كان أبوه من التجار فمال إلى تحصيل العلم برغم إرادة أبيه، ولم يكن أبوه مع ثروته يعطيه شيئا فعاش معيشة الفقراء، وتولى القضاء في زمان السلطان مراد، ولما انتهت السلطنة إلى الفاتح - وكان محبا للعلم والعلماء - صار هؤلاء يشدون الرحال إليه وكان خواجه زاده ممن قصده السلطان، فلقيه وهو ذاهب من القطسنطينية إلى أدرنة، فلما رآه محمود باشا الوزير الأكبر قال له: أصبت في مجيئك لأني ذكرتك عند السلطان فاذهب إليه وعنده البحث. فذهب إلى السلطان فسأل عنه فقال محمود باشا للسلطان: هو خواجه زاده. فكان من جانب السلطان المولى زيرك وفي الجانب الآخر المولى سيدي علي، فجلس خواجه زاده إلى جانب سيدي على واعترض على المولى زيرك وأفحمه، حتى قال له السلطان: كلامك ليس بشيء. ثم ذهب المولى زيرك وبقي خواجه زاده عند السلطان، ثم جعله السلطان معلما لنفسه، وقرأ عليه السلطان متن عز الدين الزنجاتي في التصريف، وصار مقربا من السلطان إلى النهاية حتى حسده محمود باشا الوزير، وقال للسلطان: إن خواجه زاده بريد منصب قضاء العسكر. فقال السلطان: لأي شيء يريد أن يترك صحبتي؟ فقال الوزير: هكذا يريد. ثم قال الوزير لخواجه زاده: أمرك السلطان أن تصير قاضي العسكر. فقال: أنا لا أريد ذلك. قال الوزير: هكذا جرى الأمر. فامتثل خواجه زاده أمر الوزير وصار قاضيا للعسكر، وكان والد خواجه زاده لا يزال في الحياة وكذلك إخوته، فجاءوا يزورونه وهو في منصبه العالي ورأوا ذلك الاقبال العظيم، فقال خواجه زاده لوالده: لو كنت أعطيتني مالا لما صرت إلى هذا الجاه الذي تراه الآن. يشير بذلك إلى أنه في صغره لما عول خواجه زاده على طلب العلم وخالف ملك أبيه في التجارة أمسك أبوه عن الإنفاق عليه، فصار يكد ويجتهد حتى بلغ تلك الدرجة العالية، وكان الشيخ ولي شمس الدين البخاري رأى خواجه زاده وهو يطلب العلم في صباه وثيابه رثة، ورأى إخوته متجملين بالثياب النفيسة فسأل أباهم: لماذا أولادك هؤلاء كلهم عليهم علامات اليسار وولدك هذا وحده بحالة الفقر؟ فقال له: هذا لأني أسقطته من نظري حين ترك طريقتي. فقال الولي شمس الدين: إن هذا الولد سيكون له شأن عظيم ويقوم إخوته أمامه بمقام الخدم. وقد تحقق كلام الولي هذا لأن خواجه زاده عندما صار قاضي العسكر صنع ضيافة عظيمة لأبيه وحشد إليها الأكابر والأعيان والعلماء، فجلسوا على مآدبهم ونظرا للازدحام لم يوجد مكان في السفرة لإخوة خواجة زادة فلبثوا واقفين كالخدم، وتذكر خواجه زاده قول الولي شمس الدين. وصنف خواجه زاده كتاب التهافت بأمر السلطان وقال المولى الفناري: المصيبة كل المصيبة أن الخواجة زاده قبل القضاء إذ لو داوم على الاشتغال بالتأليف لظهرت له آثار تتحير فيها الألباب.