ثم إن السلطان جعل محمد باشا القرماني وزيرا، وكان متعصبا على المولى خواجه زاده لميل الوزير إلى المولى على الطوسي، فقال للسلطان الفاتح: إن خواجه زاده يشكو هواء القسطنطينية ويمدح هواء إزنبق. فقال السلطان: أعطيته قضاء أزنيق مع المدرسة التي فيها، فمضى خواجه زاده إلى إزنيق، ثم ترك القضاء واشتغل بالتدريس فقط ثم رجع إلى القسطنطينية بعد وفاة الفاتح، ولما جلس السلطان بايزيد بن السلطان الفاتح على سرير السلطنة أعطاه المدرسة السلطانية في بروسة، مع منصب الفتوى فيها، وكان لا يكتب الفتوى إلا بعد النظر في الفتاوى، وإذا تكررت عليه مسألة واحدة لا يهمل أن يعيد النظر في الفتاوى قائلا: لو سامحت نفسي في هذه لربما تسامحت في غيرها. وكان إذا لم يجد المسألة في الفتاوى سلك مسلك الرأي، وكان يقول: إني قد أرجح وجها من الوجوه ثم إذا طالعت في الكتب وجدت هذا الوجه قد ذهب إليه بعض الأئمة قبلي. وكان يقول : ما نظرت في كتاب أحد بعد تصانيف السيد الشريف بنية الاستفادة. وكان خواجه زاده يقول: إني صابح إقدام وحجام فقيل له: ما تريد بذلك؟ فقال: إذا كملت مطالعتي لا أخاف أحدا كائنا من كان، وإذا لم تكمل خاف كل أحد. ونقل عنه أنه قال: إن العلوم على ثلاثة أقسام: قسم منها ما يمكن تقريره وتحريره، وهو المكتوب في المصنفات. ومنها ما لا يمكن تقريره ولا يجوز تحريره، وهو الجاري في المباحثات. ومنها ما لا يمكن تقريره ولا تحريره، وهوما لا يمكن التعبير عنه لدقته إلا إذا حصل لأحد تلك الحالة الذوقية فيتكلم بالإيماء والإشارة. وأمر السلطان بايزيد خواجه زاده أن يكتب حاشية على شرح المواقف فامتثل أمره، وكان قد وقع شلل في يده اليمنى فكان يكتب الحاشية باليد اليسرى. وتوفي خواجه زاده سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة. وكان له ولد اسمه الشيخ محمد من العلماء الكبار مال في آخر الأمر إلى التصوف.
ومن علماء عصر الفاتح المولى شمس الدين أحمد بن موسى الشهير ب«الخيالي وكان عالما عاملا ورعا، ولما توفي تاج الدين الخطيب مدرس أزنيق طلب السلطان محمد الفاتح مدرسا مكانه فعرض الوزير محمود باشا اسم الخيالي فقال له السلطان: أليس هو الذي كتب الحواشي على شرح العقائد وذكر فيها اسمك؟ قال الوزير: نعم هو ذلك. قال السلطان: إنه مستحق لهذا المنصب. وأعطاه المدرسة المذكورة وعين له كل يوم مئة وثلاثين درهما، ومات وهو مدرس فيها وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وكان كثير العبادة، حكى من لازمه أنه لم يره فرح ولا ضحك، وكان دائم الصمت لا يتكلم إلا عند مباحث العلوم.
ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى القسطلاني، كان مدرسا في مدرسة «ديموطقة» في الرومللي، ثم لما بنى الفاتح المدارس في القسطنطينية أعطاه واحدة منها، وصار قاضيا بالعسكر المنصور، فخافه محمد باشا القراماني لأن القسطلاني كان قويا لا يداري أحدا، فقال الوزير للسلطان: الأولى أن يكون للعسكر قاضيان، أحدهما القسطلاني يكون قاضيا لعسكر الرومللي، والآخر يكون قاضيا لعسكر الأناضول، وفي تلك المدة مات السلطان الفاتح وجلس السلطان بايزيد، فعزل القسطلاني عن قضاء العسكر، وكان له تصانيف عالية الدرجة ولم يتفرغ لأكثر منها لكثرة اشتغاله بالدرس والقضاء، وتوفي سنة إحدى وتسع مئة ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري.
ومنهم المولى محيي الدين محمد بن الخطيب كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان بالقسطنطينية، وادعى مرة أنه يقدر على مباحثة خواجه زاده، فقال له السلطان الفاتح: أأنت تقدر على البحث معه؟ قال: نعم لا سيما أن لي مرتبة عند السلطان. فعزله السلطان محمد لهذا الكلام وكان طليق اللسان جريء الجنان، وقهر كثيرا من علماء زمانه، ويروى عنه أنه ذهب ومعه جماعة من العلماء إلى السلطان بايزيد فقبل العلماء يد السلطان، وأما ابن الخطيب فلم يقبل يده ولا انحنى له، فلما خرجوا من حضرة السلطان قالوا له: كان الأليق أن تنحني له وتقبل يده! قال: أنتم لا تعرفون يكفيه فخرا أن يذهب إليه عالم مثل ابن الخطيب وهو راض بهذا القدر. ثم إن السلطان بايزيد جمعه مع المولى علاء الدين العربي وغيره من العلماء، وانتهى البحث إلى كلام غضب منه السلطان فصنف ابن الخطيب رسالة وذكر السلطان بايزيد خان في خطبتها وأرسلها إلى السلطان بيد الوزير إبراهيم باشا، فازداد السلطان غضبا وقال للوزير: ما اكتفى بذكر ذلك الكلام الباطل باللسان حتى كتبه في الورق! اضرب برسالته وجهه وقل له يخرج من مملكتي. فالوزير كتم ذلك عن ابن الخطيب ولم يشأ كسر خاطره وأرسل إليه عشرة آلاف درهم باسم السلطان والسلطان لا يعلم ذلك وله مؤلفات كثيرة.