تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنا رحلة إلى بلاد «بوسنة وهرسك» جمعنا فيها كل المعلومات اللازمة عن أصل «البوشناق» وعن أصل «البوغوميل» ومرادنا نشرها في أول فرصة، وقد رأينا بأعيننا قبور «البوغوميل» القديمة وليس عليها شيء من الصلبان، ولا من علامات النصرانية، وبديهي أنه لما كان البوغوميل هم في الأصل ذوي الوجاهة في بلاد بوسنة وهرسك، صاروا هم ذوي الوجاهة في الإسلام أيضا، وكان استيلاء الأتراك على بوسنة سنة 1463، وفي تلك المدة استولى السلطان محمد على بلاد «طرابزون» التي كان يليها ملوك من الأروام من عائلة «كومين» ثم زحف السلطان لفتح بلاد الفلاخ، فقاومه أميرها «فلاد» مدة من الزمن، لكنه انهزم والتجأ إلى بلاد المجر، فجعل السلطان أخاه «رادول» أميرا على الفلاخ، فأما الأرناءوط فكانوا لا يزالون عصاة، وكان إسكندر بك لا يزال مظفرا في حروبه مع الأتراك فزحف السلطان بنفسه إلى بلاد الأرناءوط، واستولى على بعض المدن مثل «برات» وغيرها ثم رجع وترك القيادة «لبلبان باشا» فلم يوفق، وبقيت ألبانيا متمردة إلى أن مات إسكندر بك.

واشتعلت الحرب بين السلطان وبين جمهورية البندقية، فأرسل السلطان أسطولا مؤلفا من ثلاث مئة سفينة حربية عليها سبعون ألف مقاتل تحت قيادة محمود باشا فاستولى هذا الأسطول على جزيرة نيفروبون وأخذها عنوة، وأستأصل حاميتها، فتحالف البنادقة ومملكة نابولي والبابا مع لوزون حسن من أمراء ا لتركمان في شرقي الأناضول، وذلك لمحاربة السلطان، فزحف السلطان لصد أوزون حسن بمئة ألف مقاتل وقهره في واقعة «أو قلق بيلي» وفي ذلك الوقت استولى على بر القرامان في جنوب الأناضول بعد مقاتلات شديدة، وكان السلطان اعتزم فتح بلاد البغدان «من رومانية الحاضرة» فساق مئة ألف مقاتل لفتحها وكان أميرها «إيتيان الرابع» صلبا شديدا فقاوم أشد مقاومة وأوقع بالأسرى، فحنق السلطان وزحف من جهة الجنوب وأوعز إلى تتر القرم بالزحف من الشرق، وكان في القرم عائلة مالكة من التتر تنتسب إلى «جنكيز خان» وكانت هذه المملكة تشتمل على شبه جزيرة القرم وبلاد قوبان وبلاد الشركي، ولها جانب من بلاد البغدان وبسرابيا، وكان فيها عدة إمارات تخضع للخان الكبير مثل آل «شيرين» و«آل منصور» و«آل سجد» و«آل إرغين» و«آل بارون» وكل هذه العائلات كانت سلائل أعوان «جنكيز خان» وكان الجنويون قد استولوا على جانب من القرم وأقعوا الشقاق بين أمراء التتر، فجاء السلطان محمد الفاتح وطرد الجنوبية من هناك بأسطول مؤلف من ثلاث مئة شراع، واستولى هو على بلاد القرم، ووضع على كرسي تلك المملكة «منفلي غراني» وصار من الملوك التابعين للسلطنة العثمانية واستولى الأسطول العثماني على مصاب نهر الطونة، وزحف بمئة ألف مقاتل لقتال «إيتيان الرابع» فكانت الحرب سجالا، وكانت أساطيل البندقية تجتاح سواحل الأناضول، واشتعلت الحرب بين البنادقة والسلطان في ألبانيا، وبعد حصار شديد استولى السلطان على «أشقودره» سنة 1479 ثم تصالحت جمهورية البندقية مع السلطان فتفرغ لقتال المجر وزحف أربعون ألف مقاتل من الأتراك إلى ترنسيلفانيا، ثم إن الخلف وقع بين القواد فظفر بهم «إيتيان باتوري» أمير ترانسيلفانيا والجنرال مايتاس كورفين، وهزموا الجيش الإسلامي وارتكبوا من فظائع التعذيب للأسرى ما روته التاريخ، ولكن السلطان لم يتوقف في فتوحاته بل صمم على فتح «إيطاليا» أيضا وأرسل أسطولا ففتح عنوة مدينة «أوترانت» في 14 أغسطس 1480 فوقع الرعب في جميع إيطاليا، وكان مسيح باشا يغزو «رودس» لطرد فرسان مار يوحنا أورشليم، وهم الذين كان يسميهم العرب بالاسبتارية ولهم ذكر شهير في الحروب الصليبية، ولما طردهم المسلمون من فلسطين جعلوا رودس مركزا لهم، وكانت قاعدة سياستهم محاربة المسلمين، فجاء مسيح باشا بمئة وستين شراعا وحصر رودس، وأنزل العساكر إلى البر، وبقي الحصار مدة شهرين فدافع الاسبتارية دفاعا شديدا واضطروا مسيح باشا إلى رفع الحصار، وبعد ذلك بقليل مات السلطان الفاتح في 2 مايو 1481. وخلاصة أعمال السلطان محمد الفاتح هو أنه فتح القسطنطينية، وكان ذلك فتحا مبينا انتهت به القرون الوسطى فصيرها عاصمة للإسلام وفتح أيضا ملحقاتها وفتح مملكتي الصرب وبوسنة وبلاد الأرناءوط وجمع جميع آسيا الصغرى في ملكه.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٧١