تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان السلطان محمد يقدر أن يحشد مئات ألوف من المقاتلة، أما الإمبراطور قسطنطين فلم يقدر أن يحشد إلا أربعة آلاف وتسع مئة وثلاثة وستين مقاتلا، فهذا العدد كان يقابل مائتين وخمسين ألف جندي عثماني، معها أربع عشرة بطارية من المدافع، يعاونها من البحر مئة وثمانون سفينة حربية! فاستصرخ «قسطنطين باليولوغ» ممالك النصرانية فخذلته، وكان ما أنجدته به هو أن البابا وعد بإعلان حرب صليبية إذا كانت الكنيستان الشرقية والغربية تتحدان، وأرسلت جنوة أسطولا صغيرا خمس سفائن، وتمكن خمسة آلاف مقاتل من الغرباء من الوصول إلى المدينة فنقل السلطان مراكبه البحرية إلى البر، وأزلقها على الشحم وأنزلها في خليج «قاسم باشا» في ليلة واحدة، ولما أصبح الصباح كان سبعون سفينة حربية في وسط الخليج، وبقي الحصار خمسين يوما فتهدمت الأبراج، فأرسل السلطان إلى قسطنطين يعرض عليه الاستسلام فامتنع، فعرض عليه السلطان أن يوليه بلاد المورة بدلا من فروق فاستنكف أيضا، وفي 29 مايو من تلك السنة قام العثمانيون بهجوم عام، وكان المهاجمون مئة وخمسين ألفا، فدافع الروم في ذلك اليوم دفاعا شديدا، ولكن المسلمين دخلوا من الأسوار، فلجأ الروم إلى كنيسة آيا صوفيا يرجون المعجزة التي تنقذهم، فدخل عليهم العثمانيون من كل جهة وأخذوا البلدة عنوة، وقتل الإمبراطور قسطنطين وهو يقاتل بنفسه، وكان للاستيلاء على القسطنطينية دوي لا يوصف، ووصلت الأخبار إلى المورة فحل من الرعب في قلوب اليونانيين ما لا يحيط به تعريف، وأخذوا يجلون عن بلادهم إلى حيث لا يعلمون، وامتلأ البحر بالسفن التي تشحن الأثقال وتحمل الناس، ولجأ كثيرون من الأروام إلى الجزر الخاصة بالبنادقة والجنوبية، فصدر أمر السلطان بتأمين الناس ونادى المنادي في كل مكان بأن كل رومي يريد الرجوع إلى وطنه فهو آمن على حياته ودينه ومآله، وترك السلطان للأروام عددا كبيرا من الكنائس، وكان البطريرك قد قتل في المعمعة، فعين السلطان بطريركا جديدا اسمه «جناديوس» وسلمه العصا وقال له : إني أعطيك الامتيازات التي كان يتمتع بها أسلافك. وصار البطريرك منذ ذلك اليوم رئيسا للأمة الرومية، وكان له في الدولة العثمانية «رتبة وزير» وكانت عنده محكمة، ومجلس روحاني، فكان يحكم بين الأروام في جميع القضايا، وكان المجلس الروحاني أشبه بمحكمة استئناف، وكان أعضاؤه ذوي امتيازات أيضا فلا يدفعون شيئا من الخراج، وبالاختصار لم يتعرض الأتراك إلى الأروام في دينهم ولا في أملاكهم إلا كنيسة «آياصوفيا» فقد جعلها السلطان جامعا.

وبعد أن انتهى السلطان من فتح «العاصمة الرومانية» أخضع بلاد اليونان بأجمعها، ودخلت جيوشه بلاد الصرب، وسبت خمسين ألف نسمة من رجال ونساء، فأرسل «جان هويناد» بطل المجر إلى «برانكو ويتش» ملك الصرب يعرض عليه التحالف للزحف معا لقتال العثمانيين، فبعث برانكو ويتش إلى هو يناد يقول له: ماذا تصنع فيما إذا تغلبت أنت من جهة الكنيسة؟ فأجابه هو يناد: إنني أقرر العقيدة الكاثوليكية. وكان سفراء برانكو ويتش سألوا السؤال نفسه السلطان محمد الفاتح فأجابهم: بجانب كل جامع أبني كنيسة وكل من الفريقين يعبد ربه كما يشاء. فسار السلطان بمئة وخمسين ألف مقاتل وثلاث مئة مدفع وحاصر بلغراد، لكنه لم يقدر عليها ولحقت به خسائر كثيرة في الحصار، وكان «هويناد» قد جرح في المعركة ومات، فضعفت المقاومة ولم تمض سنتان حتى دوخ العثمانيون جميع بلاد الصرب، وبعد أن انتهوا من الصرب زحفوا إلى «بوسنة» وأخذ محمود باشا قائد الأتراك أمير «البوشناق» أسيرا ولكنه وعده بالأمان على حياته، ثم إن السلطان محمدا أخذ فتوى من شيخ الإسلام بجواز قتله. وأما الأهلي فمنهم من هاجر

ومنهم من أسلم، وأكثر من أسلم كانوا من طائفة يقال لها «البوغوميل» وكانت مسيحية لكنها لم تكن بعيدة عن العقيدة المسيحية، وكان من هذه النحلة أقوام في بلاد البلغار، ونظرا لتعصب المجر للكنيسة الكاثوليكية طالما اضطهدوا هؤلاء البوغوميل، وأرادوا إكراههم على قبول الكثلكة، وكانت الباباوات لا تزال تلح على ملوك المجر باستئصال هذه الطائفة، فكان هؤلاء يعانون ألوان العذاب، فلما دخل الأتراك إلى بلاد البلقان التي يقولون لها «الرومللي» بدأ هؤلاء البوغوميل يدخلون في الإسلام، وهذا قبل أن يفتح السلطان محمد الفاتح مملكة بوسنة، ولكن عندما دخل السلطان بجيوشه أسلم سائر البوغوميل اختيارا من تلقاء أنفسهم، فمؤرخو الإفرنج يزعمون أنه لما دخل السلطان إلى بوسنة خير الناس بين الإسلام والنصرانية، وأن الذي أسلم بقيت له أملاكه ومن لم يقبل الإسلام جرده الأتراك من ثروته، وكل هذا من أكاذيب المؤرخين الأوروبيين، والحقيقة هي ما ذكرناه، ولو كان السلطان محمد الفاتح عامل البوشناق هذه المعاملة لكان أولى به أن يعامل النصارى بها في سائر البلاد، والحال كما هو معلوم ومشهور أن السلاطين العثمانيين لم يتعرضوا لأحد في دينه، فالبوشناق المسلمون لم يكن أصلهم نصارى بالمعنى المعروف، بل كانوا من هذه الطائفة التي وصفنا شيئا من عقيدتها والتي كانت أرقى من جميع سكان تلك البلاد.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٧٠