ومنهم المولى يعقوب الأصغر القراماني وكان عالما مدققا، وجاء إلى بروسة وله رسالة في دفع التعارض بين الآيتين؛ قوله تعالى:
إنا لننصر رسلنا
وقوله تعالى:
ويقتلون النبيين بغير حق .
ومنهم المولى المعروف بقرة يعقوب من بلاد قرامان.
ومنهم المولى بايزيد الصوفي، نصبه السلطان بايزيد معلما لابنه محمد.
ومنهم العلامة محيي الدين الكافية جي، سمى بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو، قال السيوطي: شيخنا العلامة أستاذ الأستاذين محيي الدين أبو عبد الله الكافية جي، ولد سنة ثمان وثمانين وسبع مئة واشتغل بالعلم أول ما بلغ، ورحل إلى بلاد العجم وتبريز ولقي العلماء الأجلاء، فأخذ العلوم عن شمس الدين الفناري، والبرهان حيدرة، والشيخ، واجد وابن فرشته شارح المجمع، وحافظ الدين البزازي وغيرهم، ودخل القاهرة وأخذ عنه الفضلاء والأعيان وولي مشيخة الشيخونية لما رغب عنها ابن الهمام، وكان إماما كبيرا في المعقولات كلها: الكلام وأصول الفقه والنحو والتصريف والإعراب والمعاني والبيان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة، بحيث لا يشق أحد غباره بشيء من هذه العلوم، وله اليد الحسنة في الفقه والتفسير، والنظر في علوم الحديث وألف فيه، وأما تصانيفه في العلوم العقلية فلا تحصى بحيث إني سالته أن يسمي لي جميعها لأكتبها في ترجمته فقال: لا أقدر على ذلك.
قال السيوطي: وكان صحيح العقيدة حسن الاعتقاد في الصوفية، محبا لأهل الحديث، كارها لأهل البدع، كثير التعبد على كبر سنه، كثير الصدقة والبذل لا يبقي على شيء، سليم الفطرة، صافي القلب، كثير الاحتمال لأعدائه، صبورا على الأذى، واسع العلم جدا لازمته أربع عشرة سنة فما جئته من مرة إلا وسمعت منه من التحقيقات والعجائب ما لم أسمعه قبل ذلك قال لي يوما: ما إعراب زيد قائم؟ فقلت: قد صرنا في مقام الصغار نسأل عن ذلك! فقال لي: فيها مئة وثلاثة عشر بحثا. فقلت: لا أقوم من هذا المجلس حتى أستفيدها. فأخرج لي تذكرتها فكتبتها منه انتهى.
قلت: وما سبقنا الأوروبيون في المعارف العمرانية والوسائل المادية إلا بكثرة اشتغالنا يزيد قائم إلى الحد الذي يخرج عن اللزوم، بينما كانوا يقضون أوقاتهم بالعلوم الرياضية والتجارب الطبيعية المفيدة وهكذا تفوقوا وتغلبوا علينا.
وممن نبغ في زمان السلطان محمد الأول العثماني، الشيخ عبد اللطيف المقدسي، وكان عالما ثم مال إلى التصوف وسكن بروسة ومات فيها. ومنهم العارف بالله عبد الرحيم بن الأمير عزيز المرزيفوني وكان متصوفا أيضا. ومنهم العارف بالله بير الياس الأماسي، وكان من الزهاد الأتقياء، وله مريدون. ومنهم عبد الرحمن شلبي ابن بنت بير الياس. ومنهم شجاع الدين القراماني. ومنهم بدر الدين الدقيق. ومنهم العارف مظفر الدين الأرندوي. ومنهم بدر الدين الأحمر. ومنهم بابا نخايش الأنقروي. ومنهم صلاح الدين البولوي. ومنهم مصلح الدين خليفة. ومنهم عمردده البروساي. ومنهم الشيخ لطف الله، وكل هؤلاء من مشاهير الأتقياء رحمهم الله.
وخلفه ابنه مراد وكان عمر مراد عندما تولي السلطنة ثماني عشرة سنة، وبدأ عمله بمهادنة أمير الفرامان، وملك المجر، وثار على مراد عمه مصطفى، وعضده ملك القسطنطينية فتغلب مراد على عمه وأخذ أسيرا وشنقه، وزحف على القسطنطينية وجرت معركة شديدة إلا أن الأتراك لم يقدروا ذاك اليوم على فتح البلدة، أما في الأناضول فاستولي مراد على إمارة (آيدين) بعد أن كان أمراؤها استقلوا في أثناء الفتنة التي وقعت بين أولاد السلطان بايزيد، وكذلك استولى على «صاروخان» وعلى «منتشة» وعلى «بلاد القرامان» وعلى نصف إمارة «قسطموني» فاسترجع مراد جميع ما كانت معركة أنقرة المشئومة مع تمرلنك أخسرته إياه من البلدان.
ولما استراح فكر مراد من جهة آسيا وجه همته نحو أوروبا، وكان «جورج برانكوويتش» ملكا على الصرب، و«سيجيسموند» ملكا على المجر، فظفر العثمانيون بالمجر ظفرا عظيما فاضطر «برانكوويتش» خوفا على ملكه أن يخضع ويؤدي سنويا خمسين ألف دوكه للسلطان مراد، ويقطع كل علاقة مع المجر.