وكان طغرل بك أحسن السلاجقة سياسة، وأوفرهم عقلا، فاتخذ لنفسه خطة معينة وصار يفتح بلدا بلدا حتى وصل إلى بغداد، وكان بنو بويه غلبوا على بغداد وحجروا على الخلفاء، وكانوا شيعة متعصبين، فجاء طغرل بك إلى بغداد ورفع منار السنة وأيد الخلافة العباسية، وقلده الخليفة السلطنة وسماه بملك الشرق والغرب. وكان في ذلك الوقت أرسلان البساسيري قد دعا للخليفة الفاطمي في وسط بغداد وانهزم القائم العباسي من وجهه، فجاء طغرل بك وهزم البساسيري وقتله، وأعاد الخليفة إلى مكانه ثم تزوج طغرل بك بابنة الخيفة، وعاد أمر الخلافة العباسية كما بدأ من القوة، وانتصرت السنة أيضا على يد طغرل بك السلجوقي، ومنذ أن تمكن طغرل بك من بغداد نشر غاراته هو وأبناء عمه في بلاد الأناضول وأخذ ينتقص أطرافها، فبدأ السلاجقة بأرمينية وفارس وأغار عليها طغرل بك بذاته سنة 1054 مسيحية، وكان إمبراطور بيزنطية في ذلك الوقت قسطنطين التاسع المسمى مونوماك فعجز عن دفعهم، وجاء بعده قسطنطين العاشر الملقب دوكاس فوصل الترك في زمانه إلى سيواس في قلب الأناضول، ثم توفي طغرل بك وخلفة ألب أرسلان ابن أخيه، فزحف صوب مملكة الروم واستولى على «أرمينية» وهزم ملوك الأرمن، وهكذا انفتحت أمامه مسالك الأناضول، فبث فيها الغارات من كل جانب ووصل إلى قيصرية وتولى الأمر في القسطنطينية قيصر شديد الشكيمة اسمه «رومان ديوجينوس» فجهز الجيوش وزحف إلى الأتراك، وكانت الحرب بين الفريقين سجالا، وكان ألب أرسلان قد كر راجعا إلى إيران بسبب عصيان أولاد عمه عليه، فلما فرغ من قتالهم عاد إلى الأناضول فنهد إليه «رومان ديوجينوس» بمئة ألف مقاتل وذلك سنة 1071 مسيحية، فتلاقى الجمعان في 19 أغسطس/آب سنة 1071 عند بلدة «مالا زغرد» بقرب «خلاط» فدارت الدائرة على الروم، وجرح «رومان ديوجينوس» ووقع في الأسر، وكان ذلك أعظم خطب حل بالنصرانية في الشرق وانقصم بمعركة «مالازغرد» ظهر السلطنة الرومانية البيزنطية.
ووصلت الأخبار إلى الغرب فهاج هائج جميع العالم المسيحي ورأوا أن المملكة البيزنطية أصبحت لا تصلح خصما للإسلام ولا حاجزا دون تقدمه صوب أووريا. ومن ذلك اليوم تولدت فكرة الحرب الصليبية، ومعناها أن المسيحيين الشرقيين لا يقدرون أن يقفوا في وجه الإسلام، فيجب على المسيحيين الغربيين أن ينهضوا ويزحفوا إلى الإسلام في عقر داره، وبرغم الحروب الصليبية لم يزل الترك يتقدمون في آسيا الصغرى حتى بلغوا بحر مرمرة، وذلك في زمان ملك شاه بن ألب أرسلان وبمعاونة ابن عمهم «سليمان بن قطولش»، ووصل الأتراك إلى أزمير في سنة 1081 وأخذ ظل الروم يتقلص عن تلك البلاد الواسعة. نعم إن الصليبين أخروا تتريك الأناضول مدة من الزمن ولكن عاد الأتراك فأتموا فتح هذه البلاد، ووجدت دولة ثانية تركية غير السلاجقة وهي الدولة «الدانشمندية» التي تأسست في «كيادوكية» وكانت لها قيصرية، وسيواس، وأماسية، وأخيرا جاء بنو عثمان وخلفوا السلاجقة والدانشمندية وفتحوا بورسة وجعلوها دار مملكتهم، ثم أجازوا إلى الرومللي ونقلوا دار ملكهم إلى أدرنة قبل أن يفتحوا القسطنطينية.
ثم وفق الله محمد الثاني الملقب بالفاتح فاستولى على عاصمة النصرانية في الشرق واستصفى بلاد الأناضول كلها وعاد فأكمل فتح الرومللي واستولى على جميع ملحقات الملك القسطنطيني، وأوغل في بلاد البلقان حتى استولى على بلاد الصرب وبوسنة وأكمل خلفاء عمله فاستولوا على جميع الممالك التي في شبه جزيرة البلقان وأدخلوها في الحكم العثماني، واستلحقوا مملكة المجار، ووصلوا إلى بولونية، وحصروا فيينا، ولولا قليل لكانت سقطت في أيديهم. ولم يبدأ تقلص الأتراك عن شبه جزيرة البلقان إلا عند ظهور الروسية، فأصبح الترك بإزاء عدوين كبيرين معا، السلطنة الألمانية، والسلطنة الروسية، فما مضى بعد ذلك أربعة قرون حتى عاد الأتراك فخرجوا من جميع تلك الممالك التي كانوا افتتحوها في البلاد البلقانية ولم يبق لهم إلا القسطنطينية وربضها الذي ينتهي عند أدرنة، وسنذكر شيئا عن تتمة تاريخ الأتراك العثمانيين بعد الانتهاء من مبحث الترك الأصلي.