تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونعود إلى تاريخ الترك في أيام زحف المغول من الشرق إلى الغرب فنقول: إن المغول شعب آخر غير الترك ولكنهم من أصل واحد، وقد دخل من المغول كثير في الترك فصاروا منهم، ولما زحف جنكيز خان وأعقابه كان يقال لهم «المغول» ويقول لهم أيضا «التتار» ولكن بعد أن أسلمت الدولة المغولية في القرن الرابع عشر للمسيح غلب على المغول اسم التتار، فتأسست سلطنة في قازان وسلطنة أخرى في استراخان وسلطنة أخرى في القريم، ولكها كانت دولا تترية إسلامية. ثم تأسست دولة تترية إسلامية في سيبريا بقرب طوبولسك الحاضرة، وغلب اسم التتار على جميع الأتراك غير العثمانيين، وهذا هو اصطلاح الروس واصطلاح كثير من الأوروبيين وذلك بأن يسموا بالترك أتراك السلطة العثمانية وبالتتر الأتراك الذين في الروسية الحاضرة. ومن هؤلاء شعب يقال لهم الأوزبك تغلبوا في القرن السادس عشر المسيحي على «بخارى» و«خيوه» وأزالوا مملكة «الجغطاي» ثم أسسوا دولة «خانات خوقند» وجاء شعب آخر اسمه «النوغاي» من الترك فكانت لهم دولة في بلاد «الفولغا» ثم غلب عليهم شعب تركي آخر اسمه «الكلموك». ومن الشعوب التركية المعروفة شعب يقال له القزق كانوا مستقلين وإن كانوا جيرانا للأوزبك.

وقد كانت تأسست في كاشغر من التركستان الصيني دولة تركية على إثر سقوط دولة الجغطاي واتخذت الإسلام دينا في أواسط القرن الرابع عشر، أي منذ نحو أربع مئة وخمسين سنة، واشتهر منها أمير يقال له محمود خان اعتنى جدا بنشر الإسلام، وكان المغولي أو التركي الذي لا يلبس عمامة يدق له مسمار في رأسه! وأخذت الديانة البوذية تتقهقر من تلك الديار وكان الأويغور من أشهر شعوب الترك لا يزالون بوذيين، فانتشر الإسلام فيهم أيضا ولم يبق على البوذية إلى يومنا هذا إلا قسم منهم يقال لهم «الأويغور الصفر».

ومما يجب أن يعرف أن الأتراك العثمانيين هم من جنس الترك الذي يقال له «التركمان»، وهؤلاء التركمان منهم قسم يقال له «الخروف الأسود» وقسم آخر يقال «الخروف الأبيض» وقد انتشروا في غربي آسيا ودخلت منهم أقوام في البلاد العربية. وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر للمسيح تغلب الكلموك على هؤلاء التركمان كما تغلب الكلموك على الغرغز والقزق. ثم سقطت دولة الكلموك، ومن الغزغز فرقة تسكن في بلاد بني «زاي»، ويقال لهم اليوم «خاكاس» ليسوا كسائر أصناف الترك تابعين للمدنية الإسلامية، كما أنه يوجد في جبال «الألطاي» ترك غير مسلمين، والروس يقولون لهم «كلموك الجبال» وليس هؤلاء مسلمين، وكذلك الأمة المسماة بالياقوت هم أتراك غير مسلمين، ولغتهم لغت تركية قديمة، وقد كانت جميع البلاد إلى النصف الأول من القرن السادس عشر للمسيح من شبه جزيرة البلقا،ن وشطوط البحر الأسود إلى الصين ممالك إسلامية متصلة، كما ورد في الانسيكلوبيدية الإسلامية، ولكن كان قد بدأ دخول هذه الممالك في دور الانحطاط، فتقلص ظل المدنية وعادت البداوة القديمة، وكان قد بدأ الروس من ذلك العهد يتغلبون على من جاورهم من الترك فاستولوا على مملكة قازان سنة 1552 وعلى مملكة استراخان سنة 1554، فقطعوا ما بين الترك المشارقة والترك المغاربة أي العثمانيين.

ومذ ذلك الوقت أخذ الروس يزحفون صوب الشرق فيستولون على مملكة مملكة من هذه الممالك التركية الإسلامية، واتفقوا مع الصين على أنه لا يجوز أن يبقى للإسلام ملك من بحر الخرز إلى حدود الصين، فالذي لم يدخل تحت حكم الروسية يجب أن يدخل تحت حكم الصين، وقد انعقد هذا الاتفاق بين الروسية والصين بمعاهدة تاريخها (24 فبراير/شباط 1881) وبرغم هذا فيقول «بارتولد» محرر هذا الفصل من الانسيكلوبيدية الإسلامية: إن الإسلام والتركية لم يرجعا إلى الوراء في الروسية وأنه بعد الانقلاب الروسي والحكومة البلشفية تأسست للأتراك في الروسية جمهوريات تابعة لموسكو مثل جمهوريتي «الأوزبك» و«التركمان» وجمهورية «أذربيجان» في القوقاز، وبالإجمال فللأتراك تحت حكومة السوفييت الحاضرة سبع جمهوريات لها شبه استقلال، وهي جمهورية القريم وجمهورية قوفاس وجمهورية الباشكيرد وجمهورية التتار وجمهورية القزق وجمهورية الغرغز وجمهورية ياقوت. ويوجد نواح لها أيضا إدارة مستقلة، وأكثر أهلها من الترك وهي بلاد قره كاي وبالكار وقره كالبكيك وأويرات، ويقول: إن هذا الدور قد أحيا أسماء القبائل التركية القديمة. ويذكر أن أكثر هؤلاء الأتراك قد عولوا في الكتابة على الحروف اللاتينية أما «الكوفاش» و«الكاكاس» و«الأوبرات» فقد بقوا متمسكين بأحرف الهجاء الروسية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٥٧