وأنه في سنة إحدى وتسعة وتسعين ومائتين للهجرة ، كان زحف ا لترك الوثنيين على المملكة السامانية فدحرهم المسلمون، وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مئة للهجرة دخل الترك المسلمون بخارى واستولوا عليها، وفي القرن الخامس للهجرة فتح الترك المسلمون تحت راية بني سلجوق بلاد الأناضول. وقد رويت أحاديث عن الرسوم عليه السلام بخلاف الحديث السابق، أي أنه كان يحرض على تعلم لسان الترك لأنه سيكون لهم ملك طويل العهد - وأظنه من الأحاديث الموضوعة - ولم يعلم شيء عن تاريخ الحادث الذي قيل فيه إن شعبا تركيا يبلغ مائتي ألف خيمة قد أسلم في يوم واحد. (قلت ورد هذا في صبح الأعشى) والمظنون أن لهذا الحادث علاقة بدولة «ألك خان» من قبيلة «أفرآسياب» وكان أمراء كاشغر المسلمون استولوا على بلاد «خوطان» ولم تعلم تفاصيل هذا الاستيلاء، وكانت بلدة «كوزن» وقلعة «بوغور» وغيرها معدودة ثغور الإسلام في بلاد التركستان الصيني، وكان دخول الأتراك الذين في الغرب متأخرا عن دخول الذين كانوا في الشرق في الإسلام.
وقد روى ابن الأثير أن شعبا تركيا كان يشتو في بلاد «بالازاغون» ويصيف في بلاد «بلغار» بقرب «الاورال» قد أسلم في شهر صفر سنة خمس وثلاثين واربع مئة، وروى أنهم كانوا عشرة آلاف خيمة، وكان القبجاق في أواسط القرن السادس للهجرة لما يدخلوا في الإسلام، وذلك يستفاد من كتاب قيل فيه عن وصول أمير القبجاق إلى «جند» ثم يقول صاحب الرواية عنه: «رزقة الله الإسلام، وكان الروس منذ أواسط القرن الثاني عشر للمسيح يسمون جميع أصناف الترك ما عدا القبجاق «سرونيكلوبوكي» أي الطرابيش السود. ومن هؤلاء قبيلة «البكنج» يظن أن أصلها ليست من الترك بل أمة غربية، وهم يخالفون الأتراك الطارئين من أواسط آسيا بكونهم يربون البقر، وقد أسلموا كسائر من أسلم من الترك، ولما تأسست سلطنة قرة خيطاي التركية بعد سنة ثلاثين ومئة وألف مسيحية، كان الإسلام قد فشا في الترك، ولكن هذه السلطنة كانت وثنية فأخذت تضطهد الإسلام، ولكنها لم تقدر عليه، وكانت إمارة «بالازاغون» الواقعة في الشمال إمارة إسلامية، وعند انحلال سلطنة قرة خيطاي كانت توجد إمارات إسلامية في شمالي «اللي» مثل إمارة «قارلق» وإمارة أخرى في بلاد «قلجة» وكانت بلاد «ماناس» هي الحد الفاصل بين الترك الإسلامية وغير الإسلامية.
أما دخول الأتراك في الأناضول وقبل ذلك في أذربيجان فما بدأ إلا في زمن السلاجقة، وقد تم تتريك تلك البلاد فيما بعد.
وفي زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان يوجد أتراك في مصر ومنها دخلوا إلى أفريقيا، وبعد ذلك إلى الأندلس كما ذكر عبد الواحد المراكشي، ولكن لم يكن أثر يذكر للترك في الأندلس. انتهى كلام الانسكلوبيدية الإسلامية ملخصا. وفيه بعض خطأ، وهو في ظنه أن الترك لم يعرفوا مصر إلا في زمن صلاح الدين بل عرفوا مصر قبل صلاح الدين بكثير وقبل الفاطميين.
وآل طولون هم من الترك وقيل: إنه كان في مجلس الخلفاء الفاطميين أناس من الترك، فبعد انصرافهم سئل عنهم فقال: «هؤلاء الذين سيكونون أمراءنا في الغد.»
قلنا: إنه في القرن الحادي عشر للمسيح كانت جميع بلاد الأناضول التي يقال لها «آسيا الصغرى» مع بلاد «قيلقية» أي ولاية «أطنة» الحاضرة، ومع شمالي سورية كأنطاكية، واللاذقية، ومع أرمينية كلها داخلة في ملك القسطنطينية وكان الإسلام يومئذ منقسما إلى دولتين: الخلافة العباسية في بغداد والفاطمية في مصر. وكانت فارس الغربية تخص بني بوية الذين استأثروا بالأمر في بغداد وحجروا على الخلفاء العباسيين، وأما في شرق إيران فكانت الدولة السامانية تارة في بخارى وتارة في سمرقند، وبقيت مستتبة إلى زمان محمود الغزنوي التركي الذي استولى على خراسان وعلى قسم من بلاد العجم، ولو لم يشغل بفتوحات الهند لربما كان تقدم إلى بغداد، فشغلت الهند الدولة الغزنوية، وبذلك اتسع المجال لدولة أخرى تركية من الغوز يقال لها «الدولة السلجوقية» وكان آل سلجوق أتباعا للغزنويين في بادئ الأمر، فظهر منهم رجل يقال له طغران بك، واستولى على نيسابور قاعدة خراسان، فأراد الغزنويون أن يقضوا عليهم، ولكن جاءوا متأخرين بما شغلهم من فتوحات الهند، وظهر طغرل بك على الغزنوية، فتمكن طغرل بك من خراسان وانتشر أبناء عمه في البلاد الغربية مثل إيران، وكرجستان، وأرمينية.