وفي زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفد قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم غدرا وأسكنها المسلمين، فكتب عمر يأمر بنصب قاضي للنظر فيما ذكروا، فنصب لهم جميع بن حاضر الباجي فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء، فكره أهل سمرقند الحرب وبقي المسلمون فيها، ثم فتح قتيبة عامة بلاد الشاش وبلغ «اسبيجاب» وقالوا إن قتيبة فتح خارزم وسمرقند عنوة، وقد كان سعيد بن عثمان بن عفان قد تغلب على سمرقند وخارزم صلحا، ولكن قتيبة استقل هذا الصلح وأبى إلا فتحها بالقوة، ثم فتح بيكند وكش ونسف وقيل والشاش وبعض فرغانة وغزا أشروسنة. ولما تولى الخلافة سليمان بن عبد الملك كان قتيبة بن مسلم الباهلي مستوحشا، كارها لخلافته، فكتب سليمان إلى قتيبة يأمره بإطلاق كل من في حبسه، وأن يعطي الناس أعطياتهم، ويأذن لمن أراد القفول في القفول، وكانوا متطلعين إلى ذلك، وكان من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف، ومن الموالي سبعة آلاف، فلم يأذن قتيبة في القفول، فثاروا به فانتصر له العجم على العرب وكانت حرب بين الفريقين فظفر العرب بقتيبة وقتلوه، وهو الذي مهد لهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وقتل معه جماعة من إخوته وقتلت زوجته ونجا أخوه ضرار بواسطة بني تميم، وأخذت الأزد رأس قتيبة وخاتمه وبعثوا به إلى الخليفة مع سليط بن عطية الحنفي، وكان قتيبة يوم قتل ابن 55 سنة، وبعد أن قتل قتيبة رحمه الله تولى خراسان وكيع بن حسان بن قيس التميمي، وأراد سليمان بن عبد الملك أن يثبته في الولاية فقيل له: إن وكيعا ترفعه الفتنة وتضعه الجماعة وفيه جفاء وأعرابية، وكان وكيع يدعو بطست فيبول والناس ينظرون إليه، فلم يكن يصلح للولاية، فقدم عليه يزيد بن المهلب وآليا فقدم يزيد ابنه مخلدا فعزا مخلد «البتم» ففتحها، ثم نقض أهلها العهد فكر عليهم وفتحها ثانية، وأصاب بها مالا وأصناما.
ولما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام، فإنه همه كان نشر الإسلام قبل كل شيء فأسلم بعضهم، وكان عامل عمر على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، فوجه الجراح أحد قواده عبد الله بن معمر اليشكري إلى ما وراء النهر فأوغل في بلاد العدو وهم بدخول الصين، فلما تكاثر عليه الترك رجع إلى الوراء وامتنع ببلد الشاش، ورفع الخليفة رضي الله عنه الخراج عمن أسلم بخراسان، وفرض العطاء للمسلمين منهم، وبنى الخانات. وكان الجراج بن عبد الله الحكمي قد كتب للخليفة أنه لا يصلح خراسان إلا السيف، فاغتاظ عمر من كلامه هذا، وعلم أنه وال يستخف بالدماء فعزله، ولكن قضى الدين الذي عليه، ثم ولى عبد الرحمن بن نعيم الغامدي حرب خراسان وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراجها، وفي خلافة يزيد بن عبد الملك تولى خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية، فنزل خراسان وبعث ابنه إلى ما وراء النهر فنزل «اشتيخن» فزحف إليه الترك فقاتلهم وهزمهم، ثم لقي الترك مرة ثانية فانهزم أصحاب سعيد، فولى سعيد نصر بن سيار على الجيش وشخص قوم من وجوه خراسان إلى مسلمة بن عبد الملك وإلى العراق وشكوا سعيدا فعزله مسلمة، وولى سعيد بن عمر الجرشي على خراسان فافتتح الجرشي عامة حصون السند.
وقال البلاذري: إنه نال من العدو نيلا شافيا، وفي خلافة هشام بن عبد الله تولى العراق عمر بن هبيرة الفزاري، فعزل الجرشي واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد، فغزا «الأفشين» فصالحه على ستة آلاف رأس، ودفع إلى قلعته وتولى طخارستان نصر بن سيار كما تقدم الكلام عليه فخالفه خلق من العرب فأوقع بهم ثم سفرت بينهم السفراء فاصطلحوا.
ثم تولى العراق خالد بن عبد الله القسري من قبل الخليفة هشام بن عبد الله فولى خالد أخاه عبد الله بلاد خراسان، وبلغ ذلك مسلم بن سعيد فسار إلى فرغانة وأناخ على مدينتها وعاث فيها، فاجتمع عليه الترك وعليهم خاقانهم، فارتحل عن فرغانة، وغزا أسد بن عبد الله القسري «جبال نمرود» فصالحه نمرود وأسلم وغزا «الختل» فلم يقدر عليها.