ثم استعمل الخليفة هشام أشرس بن عبد الله السلمي فدعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام وأمر بطرح الجزية عمن أسلم، فسارعوا إلى الإسلام وانكسر الخراج، ثم استعمل الخليفة هشام سنة 112 الجنيد بن عبد الرحمن المري علي خراسان، فحارب الترك وهزمهم وظفر بابن خاقان فبعث به إلى الخليفة هشام ولم يزل يقاتل الترك حتى دوخهم، وأمده الخليفة بعمرو بن مسلم في عشرة آلاف رجل من أهل البصرة وبعبد الرحمن بن نعيم في عشرة آلاف من أهل الكوفة، وحمل إليه ثلاثين ألف قناة وثلاثين ألف ترس، وأطلق يده في الفريضة، ففرض لخمسة عشر ألف رجل، وكانت للجنيد مغاز كثيرة وفي زمانه عصت نواح من طخارستان ففتحها، وكانت وفاته بمرو، فولى الخليفة هشام عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي.
وكان نصر بن سيار غزا «أشروسنة» أيام الخليفة مروان بن محمد فلم يقدر عليها، وكان من بعده من الخلفاء يولون عمالهم فينتقصون حدود أرض العدو، ويحاربون من نقض العهد، وبقي الأمر كذلك إلى أيام المأمون يوم مقامه بخراسان، فكان يغزو بلاد الترك من السند وأشروسنة وفرغانة ويوالي عليهم الغارات، ولكنه من جهة ثانية يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليه كاوس ملك أشروسنة يسأله الصلح على مال يؤديه على شرط أن لا يغزي المسلمين بلده، فأجيب إلى ذلك، فلما تولى المأمون الخلافة امتنع كاوس من الوفاء بالصلح، فأرسل المأمون أحمد بن أبي خالد الأحول الكاتب لغزو أشروسنة في جيش عظيم، فاستصرخ كاوس الترك فزحفوا لنجدته، ولكن أحمد بن أبي خالد أناخ على أشروسنة قبل وصول الأتراك فاستسلم كاوس له، وورد كاوس مدينة السلام وأظهر الإسلام، وملكه المأمون على بلاده ثم ملك ابنه «خيذر بن كاوس» الملقب بالأفشين بعده (واسمه بالخاء المعجمة كما رأيت في تاريخ أبي الفداء). وكان المأمون رحمه الله يكتب إلى عماله في خراسان يغزو من لم يسلم من الترك ويسني العطاء لمن أسلم، وإذا ورد ملوك الترك بابه بالغ في تشريفهم وإكرامهم وأدر عليهم الأرزاق، ثم جاءت خلافة المعتصم، فكانت رغبته في الترك أكثر من كل الخلفاء، وصار أكثر جيشه من أهل السند وفرغانة والأشروسنة والشاش، وغلب الإسلام على تلك البلاد، وصار أهلها يغزون من وراءهم من الترك، وأغزى عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد الله بلاد الغوزية ففتح مواضع لم يصل إليها أحد قبله وكان قتيبة الباهلي أسكن العرب في أرض فرغانة والشاش.
والأفشين هذا هو الذي بعد أن أسبغ عليه الخفاء النعم الجسام عاد فظهر أنه لم يكن إسلامه إلا خداعا، وأنه لم يكن طهر قلبه من عبادة أصنامه، فانتهى الأمر بأن المعتصم قاتله وأخذه، وبعد وقوعه باليد أحرقه، وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي شاعر الحضرة.
يا رب فتنة أمة قد بزها
جبارها في طاعة الجبار
جالت «بخيذر» جولة المقدار
فأحله الطغيان دار بوار
كم نعمة لله كانت عنده
فكأنها في غربة وإسار
كسيت سبائب لؤمة فتضاءلت
كتضاؤل الحسناء في الأطمار
صادى أمير المؤمنين بزبرج
في طيه حمة الشجاع الضاري
حتى إذا ما الله شق غباره
مستكن الكفر والإصرار عن
ونحا لهذا الدين شفرته انثنى
والحق منه تانئ الأظفار
هذا النبي وكان صفوة ربه
من بين بار في الأنام وقار
قد خص من أهل النفاق عصابة
وهمو أشد أذى من الكفار
واختار من سعد لعين بني أبي
سرح لوحي الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة النور التي
رفعت له سجفا عن الأسرار
ومنها:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر
ليكون في الإسلام عام فجار
ما زال سر الكفر بين ضلوعه
حتى اصطلى سر الزناد الواري
نارا يساور جسمه من حرها
لهب كما عصفرت شق إزار
مشبوبة رفعت لأعظم مشرك
ما كان يرفع ضوأها للساري
صلى لها حيا وكان وقودها
ميتا ويدخلها مع الفجار
قد كان بوأه الخليفة جانبا
من قلبه حرما على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصرد