وفي فتح بلاد الترك استشهد قم بن العباس بن عبد المطلب، كان مع سعيد بن عثمان فلما بلغ خبر شهادته أخاه عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: شتان ما بين مولده ومقبره. ولم يوجد أناس تباينت قبورهم مثل أولاد العباس بن عبد المطلب؛ فقد توفي عبد الله من عباس بالطائف، وتوفي الفضل بن عباس شهيدا بوقعة أجنادين بفلسطين، وقيل بطاعون عمواس واستشهد معبد وعبد الرحمن ابنا عباس بأفريقيا وقيل إن معبدا مات شهيدا بأفريقيا، وعبد الرحمن مات بالشام، واستشهد قم بن العباس بسمرقند، ومات عبيد الله بن العباس بالمدينة، وقيل باليمن، ثم إنه بعد موت معاوية ولى ابنه يزيد بن معاوية سلم بن زياد ما وراء النهر، فصالحه أهل خوارزم على أربع مئة ألف وحملوها إليه، وقطع النهر ومعه أمرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاصي الثقفي، وكانت أول عربية عبرت النهر، وأقام سلم بن زيادة بالسند وسرح جيشا إلى «خنجدة» وفيهم أعشى همدان الشاعر، فانهزم هذا الجيش فقال الأعشى:
ليت خيلي يوم الخجندة لم ته
زم وغودرت في المكر سليبا
تحضر الطير مصرعي وتروح
ت إلى الله في الدماء خضيبا
ثم رجع سلم بن زياد إلى مرو وحشد هناك جيشا وغزا بلاد الترك، فجمع له أهل السند فقاتلهم ودوخهم، ثم إن سلم بن زياد انصرف عما وراء النهر وتولاها عبد الله بن خازم السلمي بعهد من سلم بن زياد، فعصاه سليمان بن مرثد من بني سعد بن مالك من المراثد بن ربيعة واقتتلا، وكان ذلك في أثناء فتنة ابن الزبير مع بني أمية، وطال القتال بين العرب، فانتهز الترك الفرصة وشنوا الغارات حتى بلغوا قرب نيسابور، ولكن انتهت هذه الفتنة بين العرب بالطائلة لابن خازم، وكانت العصبية العربية بين القبائل هي العامل في تلك الفتن كما كانت في الأندلس وفي بلاد الإفرنجة، وكان عبد الله بن خازم لا يتولى غير عبد الله بن الزبير، ولا يطيع عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح يوليه خراسان، فقاتل ابن خازم وتغلب عليه وقتله وأرسلوا برأسه إلى عبد الملك بن مروان فنصبه بدمشق، واشتدت ا لفتنة بين العرب في خراسان إلى أن كتب وجوه العرب إلى عبد الملك بن مروان أنه لا تصلح خراسان بعد هذه الفتنة إلا برجل من قريش، فولى عبد الملك على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وغزا أمية بلاد الختل فافتتحها، ثم جاءت أيام الحجام بن يوسف وكانت خراسان من جملة ولايته فولاها المهلب بن أبي صفرة من الأزد وذلك سنة 99، فغزا مغازي كثيرة وانتقضت الختل في أيامه فدوخها وفتح خجندة وأطاعت له السند وكش ونسف، ومات المهلب فقام بعده ابنه يزيد بن المهلب فغزا مغازي كثيرة في بلاد الترك، وفتح «البتم» ثم غزا يزيد خارزم ثم ولى الحجاج بن يوسف المفضل بن المهلب بن أبي صفرة ففتح المفضل بلدانا منها بادغيس وشومان، وكان موسى بن عبد الله بن خازم السلمي بعد قتل أبيه قد امتنع بالترمذ فاستنجد أهل الترمذ الترك على موسى فهزمهم موسى، وحدث مع موسى هذا وقائع كثيرة وحروب ذات بال تغلب فيها كلها.
وكان أهل خراسان يقولون عن موسى بن عبد الله بن خازم السلمي هذا: ما رأينا مثل موسى قاتل مع أبيه سنتين لم يفل، ثم أتى الترمذ فغلب عليها وهو في عدة يسيرة وأخرج ملكها عنها، ثم قاتل الترك والعجم فأوقع بهم، إلا أنه لما تولى المفضل بن المهلب خراسان أرسل جيشا يقاتل موسى على الترمذ، فانهزم موسى وقتل وتولى الترمذ مدرك بن المهلب، وكان قتل موسى في آخر سنة 85 وقيل إن رجلا ضرب ساق موسى وهو قتيل، فلما تولى قتيبة الباهلي وعلم به قتله، ثم ولى الحجاج بن يوسف قتيبة، وهو أشهر فاتح عربي لبلاد الترك، خرج يريد بلاد «آخرون» فلما كان ببلاد الطالقان تلقاه داهقين بلخ، فعبروا معه النهر، وقدم عليه ملك الصغانيان بهدايا وأعطاه الطاعة واستعان به على ملك «آخرون» و«شومان» الذي كان عدوا لملك الصغانيان، ثم أقبل على قتيبة ملك «كفيان» وقدم له الطاعة فانصرف قتيبة إلى مرو، وخلف أخاه صالحا على ما وراء النهر، ففتح صالح «كاسان» و«أورشت» من بلاد فرغانة و«بيمنخر» و«خشكت» وكان في جيش صالح هذا نصر بن سيار المشهور، وأطاع ملك «الجورجان» وقدم على قتبة ثم غزا قتيبة «بيكند» سنة 87 فاستصرخ أهالي «بيكند» أتراك السند فهزمهم قتيبة وفتح «بيكند» ثم فتح «تومشكت» ودخلها صلحا، ثم أوقع بالسند وافتتح «كش ونسف» وكان ملك خارزم قد عصاه أخوه خرزاد فالتجأ الملك إلى قتيبة، فوجه قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بجيش فقاتل خرزاد فقتله وأوقع بجماعته، وأعاد الملك إلى أخيه ثم وثب الأهالي بالملك فقتلوه، فولى قتيبة أخاه عبيد الله بن مسلم على خارزم، ثم غزا قتيبة «سمرقند» فاجتمعوا لقتاله، وكتب ملك السند إلى ملك الشاش (الشاش ما يقال له اليوم طاشقند) فنهدوا إليه في خلق كثير فقاتلهم المسلمون وهزموهم، وصالحهم أهل سمرقند على ألف ومائتي ألف درهم في كل عام وعلى أن يصلي قتيبة في المدينة، فدخل قتيبة سمرقند وصلى واتخذ مسجدا، وخلف بها جماعة من المسلمين فيهم الضحاك بن مزاحم (صاحب التفسير) وكان في صلح قتيبة بيوت الأصنام والنيران، فأخرج قتيبة الأصنام وسلب حليتها وأحرقها وكانوا يعتقدون بها، فلما رأوا قتيبة قد أحرقها بيده ولم يحصل له سوء أسلم منهم خلق.