وأكثر مؤرخي الأوروبيين يقولون إن أصل الحثيين من جهة الدم لم يتحقق بعد، وغاية ما تقرر - تاريخا - أنهم أخذوا مدنيتهم عن السومريين والأكادييين أهل بابل، وقلدوهم في الكتابة والديانة والشعائر الدينية، ومزجوها كلها بمدنيتهم وديانتهم، وتقرر أيضا عند بعض المؤرخين أن الحثيين هم كانوا الواسطة بين المدينة السامية والمدنية الإغريقية، ولا يزال تاريخ الحثيين هي هندية أوروبية أم قوقاسية؟ وغاية ما لحظوا أن فيها دخيلا من لغات أخرى.
أما الأكاديون من أهل بابل فإنهم ساميون بلا نزاع، ولغتهم سامية والأرجح أنهم جاءوا من جزيرة العرب مهد الساميين.
وأما السومريون فلا يعرف أصلهم وقصارى ما نرجح من أمرهم أنهم غير ساميين وأنه يوجد مدنية معاصرة لمدنيتهم في جهات بحر الخزر.
ولا يعلم أحد ما فائدة أتراك أنقرة من تعليم آراء تاريخية جديدة واهية لا تستند على قواعد متينة؟ وهل إذا كان ترك الأناضول آتيين من فرغانة وسمرقند وكاشغر من ألف سنة فقط يسقط حقهم بالأناضول؟ ولا بد من أن يثبتوا أن هذه البلاد بلادهم منذ آلاف من السنين حتى يستحقوها؟ كل هذا من جملة الغرائب التي ولدت مع الانقلاب الأنقري، انتهى ما كتبته في «حاضر العالم الإسلامي».
وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية أن لفظة «ترك» هي محرفة عن لفظة «توكو» عند الصينين، وهو شعب ظهر في القرن السادس بعد المسيح، وأسس ملكا طويلا عريضا امتد من بلاد المغول وشمالي الصين إلى البحر الأسود، وكان أصحاب هذا الملك من القبائل الرحالة، وكان مؤسس هذا الملك الكبير رجلا يقال له «تومان» عند الصينيين، و«ترك بومين» عند الأتراك، وقد مات سنة 552 للمسيح. وكان أكثر الفتوحات على يد خاقان الذي مات سنة 576، والصينيون يقولون لهؤلاء ترك الشمال والغرب وكانوا قد انفصلوا عن ترك الشرق، وفي القرن السابع للمسيح خضع الترك جميعا الشرقيون والغربيون لسلالة تانغ الصينية، ولكن ترك الشمال عادوا فاستقلوا في سنة 682 للمسيح، وفي مدة هذه الدولة التركية الغربية وجدت الكتابة المسماة بكتابة أورخون نسبة إلى نهر في بلاد المغول يقال له «أورخون»، وهي أقدم كتابة تركية، واشتهر في قبائل الترك الغربية قبيلة ترغش وحاز أمراؤها لقب «خان» في أواخر القرن السابع المسيحي، وفي ذلك الوقت جاء العرب فقضوا على ملك الترغش هؤلاء في زمان نصر بن سيار سنة 121 للهجرة. ا.ه كلام الانسيكلوبيدية.
قلت: في زمان هشام بن عبد الملك تولى نصر بن سيار بلاد طخارستان، فغزا «أشروسنة » وذلك في أيام الخليفة مروان بن محمد الأموي، وقد كان مضاء العرب في فتح خراسان وما وراء النهر من أبدع ما جاء في التواريخ، ومما يدل على أن العرب إذا أستقام أمرهم لم يقف في وجههم قبيل فإن الترك الذين تغلب العرب عليهم مشهورون بشدة البأس وقوة المراس وقد حشدوا للعرب من كل حدب، فما نالوا منهم نيلا، وتغلب العرب عليهم في أوساط بلادهم وأثخنوا فيهم، ولم يكفوا عنهم حتى دخلوا في الإسلام، فكان الإسلام هو الذي أنجاهم في الدنيا فضلا عن الآخرة.
وفي زمن معاوية استولى العرب على خراسان، وكان الوالي عبيد الله بن زياد وهو لا يزال ابن خمس وعشرين سنة، فقطع النهر في 24000 مقاتل فأتي «بيكند» وقصد إلى بخارى، فأرسلت «خاتون» ملكة بخارى إلى الترك تستنجدهم، فزحفوا إلى العرب فهزمهم العرب واستولوا على بخارى ورامدين وبيكند، ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع النهر بجنده، وكان معه رجل يقال له رفيع أبو العالية الرياحي، فتفاءل بهذا الاسم خيرا وقال: رفيع أبو العالية رفعة وعلو. وبلغ خاتون ملكة بخارى عبوره النهر فحملت إليه الصلح، وأدت الإتاوة، وبينا هي داخلة في الطاعة أقبل الترك من «السند وكش ونف» في مئة وعشرين ألف مقاتل والتقوا ببخارى، وندمت خاتون على طاعتها للعرب، ونكثت العهد، إلا أن العرب هزموا الترك فرجعت خاتون إلى الصلح، ودخل سعيد بن عثمان بن عفان مدينة بخارى، ثم زحف إلى سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها، وما زال يضيق عليها الحصار حتى صالحوه وأعطوه رهائن من أبناء ملوكهم، ثم أقام على الترمذ وما زال يضيق عليها حتى فتحها ثم انتفض أهل الترمذ ففتحها قتيبة بن مسلم الباهلي.