تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 85 للهجرة غزا «قتيبة الباهلي» بالمسلمين العرب بلاد الترك، وافتتح بخارى، ومرو، وخوزارزم، وسمرقند وغيرها، واجتمع عليه ملك السند وملك الشاش وغيرهما فهزمهم وأثخن في الترك فصالحوه على أموال يؤدونها إليه، وكان في صلحة بيوت الأصنام والنيران فأخرجت الأصنام فسلبت حليتها، وكانوا يقولون إن هناك أصناما من استخف بها هلك، فلما حرقها قتيبة بيده أسلم من الترك خلق وهذا أول إسلامهم.

وفي خلافة هشام بن عبد الملك تولى خالد بن عبد الله القسري العراقي، وأخوه أسد بن عبد الله خراسان، وغزا أسد بلاد الترك ومنها «جبال نمرود» فصالحه نمرود وأسلم ثم استعمل هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي، فدعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام، وطرح الجزية عن الذين أسلموا فسارعوا إلى الإسلام، ثم لما صارت الخلافة إلى بني العباس وتولى المأمون خراسان - وذلك قبل خلافته - أخذ يغزو السند وأشروسنة، وفرغانة، ويقول البلاذري في «فتوح البلدان» إنه كان مع تسريته الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام والطاعة والترغيب فيهما.

نعم، ولما تولى المأمون الخلافة سنة 198 دخل في الإسلام كاوس ملك أشروسنة بعد حروب ومقاتلات تغلب فيها العرب على أهالي تلك البلدان، وكان المأمون رحمه الله بينما هو يغزو الترك من جهة يدعوهم إلى الإسلام من جهة أخرى، قال البلاذري: «وكان يوجه رسله فيفرضون لم رغب في الديوان وأراد الفريضة من أهل تلك النواحي وأبناء ملوكهم ويستميلهم بالرغبة، فإذا وردوا بابه شرفهم وأسنى صلاتهم وأرزاقهم، ثم استخلف المعتصم بالله فكان على مثل ذلك، حتى صار جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر من السند والفراغنة والأشروسنة، وأهل الشاش وغيرهم، وحضر ملوكهم بابه وغلب الإسلام على من هناك»ا.ه.

ولا يخفي أن البلاذري كان قريب العهد من هذه الحوادث لأنه الخليفة المعتصم مات سنة 227 والمؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري مات سنة 279.

وسنة 350 أسلم سالورخان سلطان التركمان سلالة طاغ خان وتسمى قره خان وأسلم معه قومه، وجاء ابنه فبنى جوامع وفتح عمه بفراخان كاشغر، وأخذ بخارى من السامانية، وجاء بعده أحمد خان بن أبي نصر فأكمل إسلام من لم يهتد من الأتراك، وازداد تردد الترك إلى بغداد ، وامتلأت منهم العراق وأرضوروم وأذربيجان، ووصلوا إلى الشام وصار منهم أمراء جيش الخلافة، واستبدوا بأمورها وصاروا يكتبون بالعربي، وبعضهم اتخذ اللسان الفارسي ولم يهتم أحد منهم بلسان «الأويغور التركي القديم» ولم يجعلوا التركي لسانا رسميا إلا في زمان بني سلجوق في الأناضول، ثم ترقي هذا اللسان في زمان الأتراك آل عثمان الذين خلفوا آل سلجوق، لا سيما في أيام محمد الفاتح وسليم وسليمان، وفكر سليم في جعل العربي لسان الدولة الرسمي فلم يطيعوه، لكن بقي لسان الدين والعلم، وأما لسان الأويغور فقد كان في زمن جنكيز خان ترقى كثيرا لكنه عراه بعد ذلك التوقف، وهو الذي يعرف ب«جغطاي» ثم بتوالي الزمن تباعد «التركي الغربي العثماني» عن «التركي الجغطائي» كثيرا. ثم هناك «تركي تتر القريم» وهو متوسط بين الفريقين.

وعلماء الألسن يجعلون التركي خمسة أقسام؛ الأول: الأويغوري أو الجغطائي، الثاني: التتاري، والثالث: القيرقيز، الرابع: الياقوتي، الخامس: العثماني، وليس للقيرقيز والياقوت أدبيات في ألسنتهم، والقرقيز مسلمون لكن الياقوت لا يزالون وثنيين، وقيل إن الياقوتي هو أصل التركي، والباقي فروع عنه، ويقول المدققون إن التركي يشبه في الدرجة الأولى لسان التونغور والمانشو من الألسنة الطورانية، وفي الدرجة الثانية لسان المغول، وفي الدرجة الثالثة لسان المجاور والفنلانديين.

هذا والفرقة الأنقرية من الأتراك المستبدة بأمر تركيا اليوم تعلم في مكاتب تركيا مذهبا جديدا في التاريخ، وهو أن أصل الترك الذين في الأناضول وغربي آسيا من الحثيين، وأن هذه البلدان هي لهم من أربعة آلاف سنة، وهم في هذا الكشف التاريخي الجديد يستندون إلى تخمينات بعض مؤرخين محدثين من أصحاب النظريات الجديدة في أوروبا ولكن شيئا من هذا لم يثبت.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٤٩