تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو أصح الأقوال. وقد روى بيروز الكلداني رواية تشابه رواية الطوفان، وهو أن الملك «كيزوتروس» نجا بسفينة صنعها لنفسه عندما غرق جميع النوع البشري. وجاءت رواية عن اليونان بأنه وقع فيها طوفان في القرن الثامن عشر قبل المسيح، وكذلك طوفان آخر في السادس عشر، وأما بيروز الكلداني فقد كتب تاريخ بابل في أقدم الأعصر، وأخذ عنه يوسيفوس اليهودي.

فأما تقسيمات البشر إلى سلالة حام وسام ويافث، فقد قام مقامها اليوم تقسيمات أخرى، فقالوا سلالة العصر الحجري، وسلالة العصر الحديدي ، وسلالة عصر سكب الرمل، وجعلوا تاريخ ظهور البشر على حسب التغييرات الجوية، وتقلص الجليد التدريجي فإنهم استدلوا بالآثار الباقية في الأرض على مرور الإنسان ببعض البقاع في عصر من الأعصر، مما يدل على أن تلك البقعة كانت قد أصبحت صالحة للسكنى، على حين أن غيرها في ذلك الوقت كان لا يزال غير قابل لسكنى الإنسان، فالأرض هي التي يصح أن يقال إنها أم البشر، وإنها واضعة التقسيم بين السلائل البشرية. وليس ذلك من سام وحام ويافث كما قال الأولون.

وذهبوا إلى أن الإنسان قطع من الحيوانية الدنيا إلى أن صار إنسانا - شبيها لما هو اليوم - عشرات ألوف من السنين، حتى قالوا: إن السلالة المسماة نياندرتال “Neanderthal”

عاشت نحوا من مائتي ألف سنة، وأنه لما بدأ العصر الجليدي الرابع يضمحل أمام أحوال جوية أميل إلى الاعتدال ظهر نوع جديد يظنون أنه بدأ ظهوره في جنوب آسيا أو شمال أفريقيا أو في الأماكن التي غمرها البحر المتوسط فيما بعد، وأنه مضى مئات من القرون حتى كملت أعضاء هذا النوع الجديد الذي سماه علماء السلالة البشرية بالإنسان السابى “Homo-Sapiens”

وهذا النوع البشري في جمجمته وأيديه وأسنانه وعنقه يشبه تماما الإنسان الحالي. ويذهبون إلى أنه ربما كان قد وجد سلالات أخرى غير هذين النوعين، وربما يكون قد وجد أنواع متوسطة بينها وبين النوع الإنساني الحاضر. وقد وجدوا في كهوف «كرومانيون

Cro-Magnon » هياكل أجسام بشرية ترجع إلى نهاية العصر الحجري، وهي تامة الخلقة، فأطلقوا على هذه السلالة اسم سلالة كرومانيون، ووجدوا آلات من الصوان ومن الصدف مع هذه الأجساد، كما أنهم وجدوا في مغارة غريمالد بقرب منتون جنوبي فرنسا هياكل أجساد بشرية لأجساد الزنوج اليوم، فترجح وجود سلالتين بشريتين في ذلك العصر الأقدم يختلف أحدهما عن الأخرى، فسلالة كرومانيون ربما كانت منحدرة من سلالة غريمالد، ويجوز أن يكون في ذلك الوقت قد بقيت بقايا من سلالة نياندرتال.

ويظهر أنه كلما كان الجو يميل إلى الاعتدال، والجليد يتقلص، كان الإنسان يكتمل وتعلو طبقة عقلة، ويزداد التناسب في أعضائه. وبالاختصار لم يكن اختلاف السلائل عند العلماء العصريين، والتباينات التي أوجدت الشكل القوقاسي، والشكل المغولي، والشكل الزنجي، والشكل الأمريكي القديم؛ إلا نتيجة العوامل الجوية باختلافها وتحولها من طور إلى آخر، وما يستتبع تحولاتها من تغير النبات والحيوان، فالهواء والغذاء هما اللذان كانا الأصل في هذه التباينات بين البشر حتى تكونت هذه السلائل المختلفة. وهذا قد أجمع عليه علماء الوقت الحاضر، وإن كانوا لا يزالون غير متفقين في نسبة الشعوب إلى سلالة السلالة، وذلك لفقد الوثائق التاريخية، وقلة الآثار التي في الأيدي، فأكثر ما عندهم من التعليلات لإثبات أن هذا هو من هذه السلالة، وأن ذاك من تلك السلالة؛ إنما هو افتراض، وأحيانا تخرص، والجزم غير ممكن. وأكثر العلماء يقولون إن تحقيق هذا الباب متعذر، ولكن مأمول ازدياد المعلومات بالعثور على الآثار البشرية القديمة، لا سيما في آسيا وأفريقيا وأمريكا. وقد قيل بناء على الآثار البشرية القديمة التي وجدت في أمريكا: بأن الإنسان قبل أن يكتمل ويصل إلى درجة الإنسانية الحاضرة لم يوجد في القارة الأمريكية؛ فما قطع الإنسان بوغاز بيرين بين آسيا وأمريكا، وأخذ ينتجع أمريكا حتى وصل إلى القسم الجنوبي منها إلا بعد أن كان قد صار إنسانا كاملا، فالعالم القديم وحده، أي أوروبا وآسيا وأفريقيا، هو العالم الذي وجدت فيه السلائل المتوسطة بين الحيوانية والإنسانية، ومرجع هذه الفروق والتباينات بين أصناف السلائل هو اختلاف البيئة، فكل بيئة أثرت في سكانها تأثيرا خاصا، وطبعته بطابعها. وقد يقع الاختلاط بين السلائل المختلفة بسهولة، حيث لا توجد الموانع الطبيعية، وهذه الموانع هي من قبيل الاوتيانوس الأطلانطيكي، ومنها في آسيا الوسطى جبال عالية منعت اتصال الأمم بعضها ببعض، وقالوا إنهم وجدوا في جزيرة «تسمانيا» “Tosmanie”

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٢٩