تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بقرب أستراليا شعبا صغيرا بقي عائشا من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين ألف سنة في الحالة التي كان فيها في أواخر الدور الحجري! ولما كشف الهولنديون سنة 1642 هذه الجزيرة وجدوهم لعدم اختلاطهم بغيرهم على ما كانوا عليه منذ آلاف السنين، وقالوا: التاسماني الأخير مات سنة 1877، وبه انقرضت هذه السلالة .

وقد لوحظ أن سكان شرقي آسيا، وسكان أمريكا في القديم، يغلب عليهم اللون الأصفر، والشعر الأجعد، كما أن سكان أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى يغلب عليهم اللون الأسود، والأنف المفرطح، والشعر المفلفل، والشفاه الضخمة. كما أن سكان شمالي أوروبا وغربيها شقر الألوان، وزرق العيون، مع الشعر السبط، والجلد البض، وعلى شواطئ البحر المتوسط نجد الشعوب بيض الألوان لكن مع سواد العيون والشعور، وفي جنوبي الهند نجد الشعوب غالبة عليها سمرة اللون، وجعودة الشعر. ولكن كلما ذهب الإنسان شرقا مالت الألوان إلى الاصفرار. ولا يجب أن تخلو هذه القواعد من استثناءات، ففي أفريقيا مثلا أقوام ملامحهم آسيوية، وفى بلاد اليابان جنس يقال له الأينوس “Oinos”

هم أشبه بالأوروبيين منهم باليابانيين وقد وجدوا قوما أشبه بالزنوج في جزر أندمان “Andamans”

في خليج البنغالة من الهند، كما أنه في بعض أقسام الهند يوجد أناس يغلب عليهم السواد الزنجي وليس من المحقق كون هؤلاء الهنود من أصل واحد مع سودان أفريقيا، فإن تأثير البيئة واستمرار هذا التأثير ألوفا من السنين هما اللذان أوجدا الفروق التي ميزت السلالة البيضاء عن الصفراء، وعن الحمراء، وعن السوداء، بحيث إنه في أواخر الدور الحجري في أوروبا - أي منذ اثني عشر ألف سنة - كانت السلائل البشرية قد تميزت بعضها عن بعضها.

قال الفيلسوف المعاصر «ولز» الإنجليزي “H. G. Wells”

إن العلماء كانوا لا يزالون يقسمون البشر إلى ثلاث أو أربع سلائل منفصلة بعضها عن بعض منذ القدم وهي سلالة سام، وحام، ويافث، اعتمادا على قصة نوح، الواردة في الكتب المقدسة ولم يبدءوا بإخراج البشرية من هذا التقسيم، وبالاعتماد على نظرية أخرى معناها أن البشرية كلها كتلة واحدة تباين بعضها عن بعض بالتأثيرات الجوية، والعوامل الأرضية والقوى المختلفة، إلا منذ خمسين أو ستين سنة. ولكن العلماء لا يزالون مختلفين في بعض الشعوب هل هي عائدة إلى هذه السلالة، أو تلك السلالة؟ لأن الجزم بذلك غير ممكن، فالسلائل المشهورة هي أربع، وكل منها مختلط بالآخر؛ فأوروبا وشطوط البحر المتوسط وآسيا الغربية تسكنها منذ آلاف من السنين أمم يقال لها السلالة القوقازية، وهي ثلاثة أقسام؛ الجنس الأشقر الشمالي، وقد زعموا أنه جنس متوسط بين سلالتين، والجنس الآري الذي في وسط أوروبا، والجنس الأيبيري أو الساكن على شواطئ البحر المتوسط. ثم تأتى السلالة الصفراء وهى في شرق آسيا، وفى أمريكا، ويقال لها السلالة المغولية. وفى أفريقيا السلالة السوداء، ومنها في أستراليا وفى غينيا الجديدة، ثم إن السلالة الأيبيرية المشتقة من السلالة البيضاء كانت في الماضي تسكن أقطارا أوسع مما تسكن الآن، فلذلك لا تعلم في الحقيقة التخوم التي تفصلها عن السلالة السوداء، ولا الفواصل التي تفصلها عن شعوب شرق آسيا. وقد ذهب «فيلفريد سكافن» إلى أن «هوكسلى

Huxley » وهو عالم طبيعي إنجليزي ممن يقول بالنظرية الداروينية - كان يقول: إنه يوجد بين المصريين وبين الدارفيديين - شعب أورال النائي جاء إلى الهند واستقر في جنوبيها - وحدة في الأصل، وأن هناك نطاقا بشريا مستطيلا من ذوي اللون الأسمر كان يمتد في القدم من الهند إلى إسبانيا.

قال ولز: ويجوز أن هذا النطاق يكون قد امتد حتى شطوط الاوقيانوس الباسيفيكي. وربما كانت الشعوب الشمالية الشقراء، والمغولية الصفراء، فرعين من أصل واحد.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٣٠