تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: يجوز أن يكون في كلام السيد جمال الدين ما يعترض علية بعض العلماء الطبيعيين من جهة أن السيد فيلسوف إلهي يستند على قواعد من الحكمة والمنطق أصبح كثير من الطبيعيين اليوم يرفضونها ولا يجلونها معيارا للحكم، ولكن لا يمكن هؤلاء ولا غيرهم أن يأتوا في نقض كلام السيد في هذا الموضوع بما يشفي الغليل، أو بما يثلج به اليقين، فلا «داروين» ولا «مارك» ولا «بخنر» ولا خصومهم الكثيرون في أوروبا، ولا «السيد جمال الدين» يقدر واحد منهم أن يقول قولا في معضلة كهذه ويسلم من الاعتراض من جهة من الجهات، وإنما هي نظريات يترجح بعضها في نظر بعض العلماء، ولا يكاد يجزم به حتى يقوم في وجهه ما يمنعه من الجزم.

وما أحسن قول جمال الدين: لا يزال يرفعه ريب ويتلقاه شك إلى أبد الآبدين. ولهذا نجد علم التكوين بنوع خاص بين مد وجزر، وأخذ ورد، وعكس وطرد لا ينتهي. وكيف يمكن أن ينتهي والآثار التي بنى أصحاب مذهب النشوء والارتقاء عليها آراءهم هي أثار ضئيلة جدا، نسبتها إلى الموضوع نسبة النقطة إلى الغدير! وقد اعترفوا هم بأن كل ما عثروا عليه في باطن الأرض إن هو إلا هيكلان أو ثلاثة في القارة الأوروبية، ولم يعثروا حتى هذه الساعة على شيء في القارات الأخرى التي هي أوسع من أوروبا بكثير! وما دامت الشواهد ضئيلة إلى هذه الدرجة ومنحصرة في بقعة واحدة؛ فإنه يستحيل القطع بشيء. هذا ولقد كان أول من كتب عن مذهب داروين باللسان العربي الدكتور شبلي شميل اللبناني، نشر في ذلك كتابا في مصر ضمنه مذهب داروين الإنجليزي، وبخنر الألماني، وجعل له مقدمة جاهر فيها بالمذهب المادي مجاهرة لم تسبق لأحد غيره في الشرق، ورد عليه إذ ذاك الأستاذ الشيخ إبراهيم الحوراني من علماء المسيحيين الذين يردون المذهب المادي. وكذلك رد عليه اليسوعيون في بيروت، وبعض القسيسين المارونيين واشتدت المناقشات بين الفريقين، وكنا نطالعها أيام الطلب قبل هذا التاريخ بخمسين سنة. وكان نشر الأستاذ الشيخ محمد عبده رسالة أستاذ جمال الدين التي نقلنا عنها هذه الجمل لذلك العهد أيضا. فمذهب داروين معروف في أوروبا منذ ثمانين سنة، وفى العالم العربي منذ خمسين سنة.

| نوح وولده وقضية الطوفان والسلائل البشرية

تعليق على ما جاء بسطر 3 صفحة 6 جزء أول من ابن خلدون

إن ما ذكره ابن خلدون في هذا الموضوع لا يخرج عما اصطلح عليه المؤرخون القدماء مستندين فيه على التوراة، ولكن المؤرخين اليوم قد عدلوا عن هذه الروايات، وعن القول بأن سام وحام ويافث هم آباء البشر الحقيقيون، وأن سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الزنج، إلى غير ذلك. وإذا ذكروا هذه الأمور فإنما يذكرونها وفقا للتوراة وللتقاليد القديمة، ومن باب العلم بالشيء ولكنهم لا يعتقدونها. فأما الطوفان فإنهم يعتقدون بوقوع حادث عظيم من هذا القبيل - إن لم يكن عم الأرض كلها فلا شك في أنه غمر جانبا منها - وذلك لأنه وجدت روايات تشابه خبر الطوفان عند الأمم الأخرى.

وقد أجمع المسلمون والنصارى واليهود على وقوع الطوفان لورود ذكره في كتبهم المنزلة وزعم «اوسيليوس» العالم اللاهوتي الإنجليزي من رجال القرن السادس عشر للمسيح أن الطوفان وقع سنة 2348 قبل المسيح، وتابعه في ذلك المطران الفرنسي «بوسويت» وذهب «كلنتون» الإنجليزي إلى أن الطوفان إنما وقع سنة 2482 وهؤلاء ممن يعتقدون أن العالم وجد قبل المسيح بأربعة آلاف سنة. ومن المعلوم أن هذه الروايات مردودة اليوم عند جميع علماء أوروبا - تقريبا - وهؤلاء يقولون بمئات ألوف من السنين مضت على وجود الإنسان، فضلا عن وجود المادة الأرضية نفسها وفى القرآن لا يذكر عدد السنين التي مرت على الإنسان، وإنما يقول الله تعالى:

ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٢٨