تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا إن الآثار البشرية التي عثروا عليها لا تصلح حتى الآن مدارا للحكم وخالفهم الذين قالوا إن بين إنسان نياندرتال والإنسان الحالي وجوه شبه كثيرة وإنه لا يمكن الحكم بانقراض إنسان نياندرتال والتبدل منة إنسانا من نوع آخر أكمل من الأول وهو الذي سموه بالإنسان العاقل، وبالإفرنجية “home sapiens”

عن أصل الإنسان، ننقله لقراء هذا الكتاب حتى لا يفوتهم شيء مما يجب معرفته على أهل هذا الزمن، ومن قبيل العلم بالشيء ولا الجهل به.

ولا يزال في أوروبا عدد كبير من العلماء يردون بشدة نظرية داروين، وليسوا هم فقط من أنصار الأديان، بل يوجد من العلماء الطبيعيين من يقيم الأدلة على فساد هذا المزعم.

ومنهم من ذهب مذهبا متوسطا، فوافق على بعض قضايا المذهب الدارويني، ورد بعضها بحجة فقد الأدلة الكافية. وعندي كتاب عنوانه «المذهب الدارويني وما فيه من صواب وخطأ» وممن اشتهر في الرد على مذهب داروين الإنجليزي، ولامارك الفرنسي في النشوء والارتقاء، الأستاذ «فيالتون

Vialleton » المدرس في جامعة مونبلييه، والأستاذ موريس توماس البلجيكي، وغيرهما ممن يقولون إن مذهب لامارك وداروين مناقضان للعلم، وقال فيالتون: إن داروين قد ذهب في نظريته مذهبا جاهلا ماهية القواعد التي تتنزل عليها الجزئيات، وانخدع بعلاقات الأنواع بعضها مع بعض، كما أن خلفاءه في المذهب قد نظروا إلى المناسبات الصورية التي بين الأنواع نظرا سطحيا، وقرروا النشوء والارتقاء بدون تأمل كاف في كيفية قيام هذه الأنواع بوظائفها.

فلأجل الربط بين الحشرات وذوات الأثداء من الحيوانات اعتمدوا على النطاق الصدري الذي يعهد في ذوات الأثداء المتصلة بالطيور، لكن إذا أنعم الإنسان النظر لا يجد هذه الرابطة في محلها، لأن هذا النطاق ليس في الحقيقة جزءا من هيكل الصدر، بل هو خارج عنه، وليس له اتصال بالقلب، ولا بالأعصاب كما هو عند الحشرات، فالمشابهة ليست أكثر من مشابهة سطحية. والحال أن طبيعة الحيوانات ذات الأثداء لا تمتاز فقط بالنطاق الصدري، ولكن بمميزات أخرى ظاهرة في جميع تكوينها، وفى أنسجتها العضوية، وفى الجلد والشعر والعظام، وكل ما يعهد في ذوات الأثداء. والخطأ نفسه وقع في تقدير خصائص الأعضاء؛ فداروين يرى أن أي عضو يقدر أن يقوم بأي وظيفة، وهذا إهمال لحقيقة الوظائف الأسآسيا، فإن الأعضاء تؤلف مع الأنطقة آلات محركة لها في كل نوع وظائف محدودة لا يمكن أن عملها يتعدى من وظيفة إلى وظيفة، إذ ليس من وسيط بين الجهازين، ففي طبقة الحيوانات ذوات الأربع إذا وجد نوع طيار مثلا أن الكتف التي كانت في البطن تحت مركز الثقل تصعد إلى الظهر لأجل أن تحفظ موازنة الحيوان عندما يطير، ولولا ذلك لا يتمكن من الطيران، فهذا المركز الذي تأخذه الكتف من جديد لا يمكن أن يحصل بالتدريج، ولا مناص من أن يكون وضع أنفا بدون تدرج. كذلك ذوات الأثداء السابحة التي يسير بها الذنب المتحرك من الأعلى إلى الأسفل؛ فيجب أن يكون لهذا الذنب قوة وقطر عظيمان، بحيث أن الشق الأسفل يندفع إلى الأمام فيكون أفقيا بدلا من أن يكون عموديا كما هو في سائر ذوات الأثداء.

ويقول فيالتون: إن القول بأن الجراثيم تعيد في أثناء نموها الصور المتتابعة التي سبقت نوعها هو مرسل جزافا، وهو أشبه بالمجاز منه بالحقيقة، ففي الجراثيم شيئان؛ البدايات البسيطة التي هي عامة لجميع النوع، ثم الأجهزة والصور التي تتلو هذه البدايات، فالبدايات لا يمكن أن يتكون منها نوع خاص، لأنها حويصلات بسيطة جدا أشبه ببراعم تختلف كثيرا عما سيأتي منها، بل هي بدايات ساذجة عامة لا ينتج منها أقسام خاصة إلا بعد النمو. فالحويصلة لا يمكن أن تشبه حيوانا تاما مهما كان دنيء الطبقة، ولكن تشبه حويصلته. والحويصلة البشرية ذات الخلايا لا يمكن أن تشبه سمكة في جهازها التنفسي، ولكن قد تشبه حويصلة السمكة قبل أن يكتمل فيها هذا الجهاز، وأورد أدلة كثيرة ليس هنا موضعها.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ٢٥