وكان الكيماوي الفرنساوي برتلو - وهو من أشهر علماء الطبيعة - ينعت مذهب داروين بقوله: «قصة داروين الخيالية» و«قصيدة لامارك الفكرية» مع أن برتلو كان يحفل بهذا المذهب. فمن شاء التوسع في هذا الموضوع فليقرأ كتاب فيالتون المسمى ب«أصل الكائنات الحية وخيال النشوء والارتقاء» “L’origine des etres vivanis, L’illusion transformisle par vialleton” .
وقد طرق السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني هذا الموضوع، ورد على النظرية داروين، ونحن واضعون كلامه تحت أنظار القراء.
وقد اعترض بعضهم على خوض السيد جمال الدين في حديث كهذا يلزم له تخصص في العلوم الطبيعية، وليس هذا الاعتراض بشيء، لأن التخصص شرط في المباحث التفصيلية، فأما في المبادئ العامة فالذي يلزم إنما هو الفلسفة، ومن كان أطول فيها باعا وأوسع نظرا كان أحق بأن يتكلم بها؛ فالسيد جمال الدين إذن يقدر أن يقول هنا، وهو يقول ما يأتي في رسالته المعروفة ب«الرد على الدهريين»: «وذهب فريق إلى أن الأجرام السماوية والكرة الأرضية كانت على هيئتها هذه من أزال الآزال ولا تزال، ولا ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات. وزعموا أن في كل بذرة نباتا مندمجا فيها، وفى كل نبات بذرة كامنة، ثم في هذه البذرة الكامنة نبات وفيه بذرة إلى غير نهاية. وعلى هذا زعموا أن في كل جرثومة من جراثيم الحيوانات حيوانا تام التركيب، وفى كل حيوان كامن في الجرثومة جرثومة أخرى، يذهب كذلك إلى غير نهاية. وغفل أصحاب هذا الزعم عما يلزمه من وجود مقادير غير متناهية في مقدار متناه وهو من المحاولات الأولية.
وزعم فريق ثالث أن سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع، كما أن الأجرام العلوية وهيئاتها قديمة بالشخص، ولكن لا شيء من جزئيات الجراثيم الحيوانية والبذور النباتية بقديم، وإنما كل جرثومة وبذرة هي بمنزلة قالب يتكون فيها ما يشاكله من جرثومة وبذرة أخرى. وفاتهم ملاحظة أن كثيرا من الحيوانات الناقصة الخلقة قد يتولد عنها حيوان تام الخلقة، وكذلك الحيوان التام الخلقة، قد يتولد عنه ناقصها أو زائدها.
ومال جماعة منهم إلى الإبهام في البيان فقالوا: إن أنواع النباتات والحيوانات تقلبت في أطوار، وتبدلت عليها صور مختلفة بمرور الزمان وكرور الدهور، حتى وصلت إلى هيئاتها وصورها المشهودة. وأول النازعين إلى هذا الرأي «أيبقور» أحد أتباع «ديوجيتس الكلبي» ومن مزاعمه أن الإنسان في بعض أطواره كان مثل الخنزير مستور البشرة بالشعر الكثيف، ثم لم يزل ينتقل من طور إلى طور حتى وصل بالتدريج إلى ما نراه من الصورة الحسنة، والخلق القويم، ولم يقد دليلا ولم يستند على برهان فيما زعمه من أن مرور الزمان علة لتبدل الصور وترقي الأنواع.
ولما كشفت علوم الجيولوجيا (طبقات الأرض) عن بطلان القول بقدم الأنواع رجع المتأخرون من الماديين عنه إلى القول بالحدوث. ثم اختلفوا في بحثين؛ الأول بحث تكون الجراثيم النباتية والحيوانية، فذهب جماعة إلى أن الجراثيم على اختلاف أنواعها تكونت عندما أخذ التهاب الأرض في التناقص، ثم انقطع التكون بانقضاء ذلك الطور الأرضي. وذهبت أخرى إلى أن الجراثيم لم تزل تتكون حتى اليوم خصوصا في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة.
وعجزت كلتا الطائفتين عن بيان السبب لحياة تلك الجراثيم حياة نباتية أو حيوانية خصوصا بعدما تبين لهم أن الحياة فاعل في بسائط الجراثيم، موجب لالتئامها، حافظ لكونها. وأن قوتها الغاذية، هي التي تجعل غير الحي من الأجزاء حيا بالتغذية فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك البسائط وتجاذبها، ثم صارت إلى الانحلال. وظن قوم منهم أن تلك الجراثيم كانت مع الأرض عند انفصالها عن كرة الشمس، وهو ظن عجيب لا ينطبق على أصلهم من أن الأرض عند الانفصال كانت جذوة نار ملتهبة، وكيف لم تحترق تلك الجراثيم ولم تمح صورها في تلك النيران المستعمرة؟!