فبعضهم ذهب إلى أن الإنسان وجد في الدور الثلاثي بدليل وجود أدوات حجرية لا يمكن صنعها إلا بيد مخلوق هو على شيء من العقل، وذهب المنكرون لوجود الإنسان في الدور الثلاثي إلى أن الأدوات المذكورة هي أحدث عهدا من ذلك الدور - فالمفروض - مع الترجيح التام - أن الإنسان وجد في الدور الرباعي.
وأعظم دليل من الآثار الحفرية على ذلك انه وجد بقرب «هيدلبرغ» في بلاد بادن من ألمانيا على عمق أربعة وعشرين مترا فك أسفل إنساني، ووجد في المحل نفسه بقايا كركدن وفرس من أفراس البحر مما كان يعيش في الدور الثلاثي، وهذا الفك وجد ضخما عظيما عريضا جدا قليل الارتفاع، ولم يوجد له ذقن، ووجد فيه تشابه كثير مع فكوك القردة التي تشبه الإنسان من النوع الذي يقال له «انتروبويد
Antbropoides » بيد أن الأسنان هي أسنان بشرية بالتمام والكمال.
وعثروا في إنجلترا بقرب «بيتدون
Piltdown » على جمجمة بشرية ولكنها منحطة عن الجماجم الحاضرة، فأما من بقايا العصر الرباعي فقد وجدوا أكثر من رمة واحدة، ووجدوها كلها متشابهة، منها واحدة وجدت في جبل طارق، وأخرى في «سبىSpy» من بلجيكا. وأخرى في فرنسا، ووجدوا من هذا النوع نفسه في أفريقيا الجنوبية في روديزيا، فثبت من تشابه جميع هذه الرمم وجود طبقة بشرية في الدور الرباعي المذكور، اصطلح العلماء على تسميتها بطبقة «نياندرتال
Neanderthal » وذلك لأن أول مثال منها وجد في واد اسمه وادى «نياندرتال» في ألمانيا. وقد وجد مع رسم هذا الدور أدوات مصنوعة بالأيدي لا تدع شكا بأن أصحاب هذه الرمم كانوا بشرا، ولكن كانت رءوسهم مشابهة جدا لرءوس الحيوانات، وكانت الجمجمة مسطحة، والجبهة ضيقة، وكان القسم الأدنى من الرأس ضيقا، والوجه عريضا، والفكان ناتئين إلى الأمام، والتقاطيع غير منتظمة، والعيون كبيرة، والأنف عريضا مع ضيق في مركزه، والذقن منقبضا، وغير ذلك من الملامح التي تثبت أن طبقة «نياندرتال» هي من الطبقات البشرية، لكنها أدنى من البشر الموجودين الآن. وهي من جهة الجمجمة والوجه تتشابه مع نوع القردة المسمى «بالانتروبوئيد» أي أقرب القردة للإنسان. وبالاختصار آدمى نياندرتال مكانة هو بين القرد والإنسان الأخير. وقد امتاز الآدمي في هذا الدور الذي نحن بصدده بقوة العضلات ووجد العلماء القائلون بهذه النظرية أن السلسلة الفقارية، وأن عظام الأعضاء والأطراف والجمجمة فيها تشابه كثير مع ما يقابلها في القردة. وقد رجحوا بحسب ما دققوا فيه من الهيكل العظمي الذي كان علية إنسان «نياندرتال» أنه كان يمشي منحنيا نحو أفخاذه، ولم يكن ينتصب قائما سويا. ولما وصل علماء النشوء والارتقاء إلى هذه النقطة اختلفوا فيما يعولون علية من جهة الإنسان الأول؛ فقالوا: إن إنسان نياندرتال هو على شبه كثير مع القردة المسماة «انتروبوئيد» “Anthropoide”
ولكن ثبت أيضا أن هذا النوع من الإنسان وجد في أواسط الدور الرباعي، ولهذا لا يمكن أن يقال إنه أقدم نوع في البشر؛ لأنه قد ثبت وجود آثار الإنسان في أوائل الدور الرباعي، فصار العلماء يتساءلون كيف يمكن التلفيق بين هذين الأمرين؟ فذهب «هيكل» “Haeekel”
الألماني من أقطاب علماء النشوء والارتقاء إلى أن الإنسان لم ينحدر من القرد المعروف بشبهه للإنسان الذي يقال له «اورانج اوتان».
وقال أضداد نظرية النشوء والارتقاء إنه لا يزال بين أقدم الطبقات البشرية وأقرب القردة إلى الإنسان مسافة شاسعة، ولذلك يفترض وجود طبقة متوسطة وسموا هذا النوع «بيتيكانثروب» “Pithecanthrope”
فذهب بعض علماء أوروبا إلى أنه كان قد وجد شبه بين آدمى نياندرتال وبين الآدمي المسمى بيتيكانثروب وبين هذا وبين القرد المسمى اورانج اوتان؛ فليس يستلزم ذلك حتما أن يكون الإنسان الحاضر هو من هذه السلائل، بل إنسان نياندرتال انقرض في أواسط الدور الرباعي ولم يترك بقايا.