ثم جرب المذاكرات بين تركيا واليونان لأجل الصلح، ولم تصل الدولتان إلى وفاق، أولا لأن اليونان طلبوا التمتع بالامتيازات الأجنبية التي كانت الدولة حرمت اليونان إياها عندما كسرتهم سنة 1897 فتركيا أبت إرجاع الامتيازات وقالت: إن الدول العظام أنفسها أصبحت مستعدة لإلغاء هذه الامتيازات، ثم إن تركيا طلبت الحرية التامة في اليونان لشعار الدين الإسلامي، وأن تكون إدارة الأوقاف الإسلامية في بلاد اليونان تحت مراقبة شيخ الإسلام، وتكون قضاة المسلمين هي الحاكمة في الأحوال الشخصية، فطلب اليونان بمقابلة ذلك أن تعاد إلى بطريرك الروم في الأستانة الامتيازات الدينية القديمة التي كان منحها السلطان محمد الفاتح، فأجابت تركيا بأن لا مدخل لدولة أجنبية في أمور داخلية في تركيا.
ثم اختلفوا في قضية الأوقاف لأن اليونان رضوا بالاعتراف بالأوقاف العائدة إلى المساجد رأسا، فأما الأوقاف التي يقال لها وقف ذرية فادعت دولة اليونان أنها تحل فيها محل الدولة العثمانية، واختلفوا أيضا في قضية الخدمة العسكرية، فاقترحت اليونان إعفاء الأروام الذين في تركيا من الخدمة العسكرية على أن تعفي اليونان المسلمين الذين في بلادهم من الخدمة نفسها، فرفض الباب العالي ذلك، فاقترحت اليونان وجها آخر وهو أن يكون للأروام في تركيا توابير مخصوصة لا يدخلون فيها مع سائر العسكر وأن اليونان بمقابلة ذلك تجعل لمسلمي بلادها توابير خاصة ولا تجبرهم على نزع الطربوش فرفض الباب العالي هذا أيضا. وطلبت اليونان العفو العام عن الأروام العثمانيين الذين ساعدوا اليونان، فأجابت تركيا هذا الطلب. ثم طلبت اليونان ثلاثة ملاين جنيه عثماني تعويضا لها عن ضبط مئة سفينة يونانية قبضت عليها تركيا في أول الحرب فأبى الباب العالي دفع شيء، انقطعت المفاوضات مدة. ثم استؤنفت بميل الفريقين إلى الصلح، وانعقدت المعاهدة في 14 نوفمبر سنة 1913 وفازت تركيا بتأييد كلمتها في قضية الامتيازات، وفي قضية الأملاك السلطانية، وكذلك فازت في معاملة الجماعات الإسلامية في أحوالهم الشخصية بموجب الشرع الشريف، كما جرى الاتفاق مع البلغار. ولكن لم يمكن تركيا أن تنال من اليونان أن تكون إدارة هذه الأوقاف بأيدي مسلمي بلاد اليونان وهكذا تم. وبقيت مسألة الجزر معلقة وكانت الدول تريد إلحاق جميع الجزر باليونان عدا «تندس» و«إمبروس» و«كستيلوريزو» وذلك لقربها الشديد من السواحل العثمانية.
وبينما الدول تفكر في فض الخلاف بين تركيا واليونان إذ وقعت الواقعة الكبرى وهي الحرب الكبرى فتوقف كل شيء منذ سنة 1914 إلى سنة 1923 أي مدة تسع سنوات في خلالها جرت الحرب العامة ثم تبعتها حرب أخرى بين تركيا واليونان التي سلمتها إنجلترا قسما من بلاد الأناضول، فاستمرت الحرب بين الأتراك والأروام من سنة 1919 إلى سنة 1922 وانتهت بانهزام اليونان، فعند ذلك انعقد بين الدول وتركيا مؤتمر لوزان، وتقرر الصلح، وبموجبه ألحقت جميع الجزائر في الأرخبيل إلى اليونان، إلا الجزر التي أمام الدردنيل مثل لمنى وتندس، ولكن تقررت أيضا مبادلة الأراضي والسكان، فجميع المسلمين الذين في بلاد اليونان جاءوا إلى تركيا كما أن جميع الأروام الذين في تركيا أخرجوا إلى بلاد اليونان وأخذت تركيا أملاك اليونان فيها، وبمقابلة ذلك أخذت اليونان أملاك المسلمين فيها. واستلحقت إيطاليا رودوس والجزر العشر التي حولها. ولم يبق في مملكة اليونان سوى مسلمي تراقية الغربية، فقد جرى استئناؤهم من المهاجرة، ولم يبق من الأروام في تركيا غير الأروام الذين في القسطنطينية، إذ أن الدول في لوزان جعلن هؤلاء في مقابلة هؤلاء.
وهذه مسائل عائدة إلى الحرب العامة وذيولها، ونحن أحببنا الوقوف في تاريخ الدولة العثمانية عند هذا الحد، لأننا لو دخلنا في موضوع الحرب العامة لطال بنا الموضوع جدا. ولما كنا نريد أن نفرد الحرب العامة وذيولها إلى أن انعقدت معاهدة لوزان سنة 1923 بتأليف خاص - إن شاء الله - لم نجد لزوما للدخول في هذا التاريخ بموضوع أكبر حرب عرفها العالم مما يجب أن يفرد بتأليف على حدة.