تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بالفعل لو ضغطت أوروبا على تركيا، والحكومة ضغطت على الجيش والأهلين، لجرت ثورة دموية، فأجابت تركيا الدول بأن مذكرتها إلى الباب العالي تشير إلى أن الدول حاضرة للمذاكرة مع تركيا في الشروط اللازمة لتأمين حدودها والحال أن خط «أنوس- ميديه» لا يتأمن به شيء، وأن تركيا إنما احتلت البلاد التي كان احتلها البلغار محافظة على حياة الأهالي الذين كانوا صائرين لا محالة إلى الانقراض فتركيا ترجو من الدول إعادة النظر في قضية الحدود. فلما وصلت هذه المذكرة إلى الدول خطب السر ادورد غراى خطبة فيها شيء من التهديد لتركيا إذا أسرت على استرداد أدرنة. وأما الروسيا فأشارت بمنع كل معاملة مالية بين أوروبا وتركيا، ولكن كل هذا لم يرعب الترك، لأن قضية أدرنة هي لهم قضية حيوية، فأدرنة مفتاح الأستانة كما لا يخفى، وفي ولاية أدرنة مئات ألوف من المسلمين كانوا سينقرضون أو سيرحلون بأجمعهم لو بقي البلغارهناك، لما كان عند البلغار من الوجد لاستئصال الإسلام من تلك البقعة. فالأتراك كانوا مصممين على عدم الرجوع عن أدرنة وتهددوا البلغار بإعلان الحرب عليهم إذا لبثوا يطالبون بأدرنة، فخاف البلغار من أن ينهزموا ويفقدوا ثمرات طوائلهم في أول الحرب فجنحوا إلى السلم، والتمسوا من تركيا المذاكرة رأسا. وكان مسلمو تراقية الغربية قد ثاروا وأسسوا حكومة مستقلة لأنفسهم مركزها كوملجنة ففي 18 سبتمبر سنة 1913 تقررت شروط الصلح بين الفريقين واستعادت تركيا بموجب هذا الصلح أدرنة، وقرق كليسه، وديموطقة، وأعيدت الحدود الأصلية التيكانت بين تركيا وبلغاريا قبل الحرب البلقانية، سوى بعض قرى إلى جهة البحر الأسود أكثر سكانها من البلغار فهذه سمحت بها تركيا لبلغاريا.

وكذلك خسرت بلغاريا الخط الحديدي من أدرنة إلى دده آغاج البلدة التي على ساحل بحر الأرخبيل، وكان البلغار سيجعلونها منفذا لهم إلى البحر المتوسط، وكذلك تقرر بين الدولتين أن يضرب أمد لسكان مكدونية وتراقية أربع سنوات ليختاروا التابعية العثمانية أو التابعية البلغالية، فإذا مضت السنوات الأربع ولم يختاروا التابعية العثمانية يصيرون رعايا بلغاريا، وإلا فيبقون كأجانب مرجعهم الدولة العثمانية. وإذا كان في هذه البلدان يسكن عثمانيون من ولايات أخرى تابعة لتركيا فيبقون على تابعيتهم العثمانية، ثم حصلت مذاكرات في قضية الأوقاف الإسلامية، وتقرر أن تكون إدارتها بأيدي الجماعات الإسلامية وفقا للاتفاق التركي البلغاري المنعقد سنة 1909 بحق الأوقاف الإسلامية في بلغاريا القديمة فاشترطت تركيا أن تكون في الأستانة، بخلاف الأوقاف في بلغاريا القديمة التي كان للحكومة البلغارية حق لإشراف عليها. ثم تقرر أن يكون مسلمو البلغار تابعين للشرع الشريف في أحوالهم الشخصية، فيحكم بينهم فيها قضاتهم كما في تركيا، ويكون للمسلمين في بلغاريا مفتون تنتخبهم الجماعات الإسلامية بتمام الحرية، ويجرى تصديق انتخابهم بمعرفة شيخ الإسلام في تركيا، وتقرر أن تكون المدارس والمكاتب الإسلامية في بلغاريا معدودة من مؤسسات الحكومة البلغارية التي يجب أن تتفق عليها.

واستغرب الناس تساهل بلغاريا هذا مع تركيا، وقد كانت هي الظافرة في الحرب البلقانية، والحقيقة أن قواد الجيش البلغاري وجدوا أنفسهم لو أصروا على العناد لكر الترك عليهم، وكانوا من بعد غلبهم سيغلبون، لأن الجيش التركي في المدة الأخيرة كان غير الجيش التركي في أول الحرب، ثم إن البلغار كانوا اقتتلوا مع السرب من أجل «منستر» التي كان البلغار والسرب يتنازعون عليها. وكذلك كانوا اقتتلوا مع اليونان من أجل مكدونية فصارت بلغاريا مضطرة بحكم الضرورة أن تسالم تركيا. وانعقدت معاهدة الصلح النهائي بين تركيا وبلغاريا في 29 سبتمبر سنة 1913 واتفقت الدولتان على عدم اعتبار المعاهدة السابقة المنعقدة في لندرة في كل المواد المخالفة فيها للمعاهدة الأخيرة.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٨