هذا ودخل في الوزارة أحمد عزت باشا الارناؤوطي ناظرا للحربية وقائدا للجيش وعثمان نظامي باشا للاشغال النافعة، وبقي أكثر النظار الآخرين في مناصبهم وبدأت الوزارة بمحاكمة الذين قتلوا محمود شوكت باشا، والذين دخلوا في مؤامرة قتله فحكموا على 24 شخصا منهم بالقتل، منهم من كانوا فروا من الوجه مثل صباح الدين بك ابن أخت السلطان، ورشيد بك ناظر الداخلية السابق، وإسماعيل بك مبعوث كوملجنة.
ومنهم من وقع في اليد مثل صالح باشا خير الدين صهر العائلة السلطانية وجماعة يبلغون عشرة أشخاص فشنقوهم وصلبوهم في ساحة بايزيد.
وقد اجتمعت سنة 1936 بإسماعيل بك مبعوث كوملجنة في جنيف وروى لي كيفية قراره في تلك الحادثة وتخلصه من أيدي الاتحاديين.
ثم إن الدول البلقانية اختلفن بعضهم مع بعض فالحكومة البلغارية تنازعت مع الحكومة السربية والحكومة اليونانية، على اقتسام الأسلاب التي أخذوها من تركيا في الرومللي، ووصل الأمر بينهن إلى القتال. وكانت رومانيا أرادت أن تستفيد من قتال هؤلاء الحلفاء، فطلبت تعديل حدود «الدبروجة» بينها وبين بلغاريا فوقع الخلاف بين رومانيا وبلغاريا فرأت تركيا الفرصة سانحة لاسترداد ولاية أدرنة، وفي 6 يوليو أرسلت تركيا بواسطة عثمان نظامي باشا إلى الحكومة البلغارية إنذارا بوجوب تخليتها الأراضي التي كان البلغار قد احتلوها، وكانتا لوقائع الحربية قد انتهت من شهر إبريل بموجب متاركة بين البلغار والعثمانيين، ولكن بقيت الجيوش البلغارية محتلة جميع ولاية تراقية التي يفصلها عن تركيا خط «أنوس-ميديه» الذي قرره المؤتمر الدولي بين الفريقين ، فأرسلت الحكومة البلغارية المسيو «نتشيفيتش» معتمد بلغاريا سابقا في الأستانة لأجل الاتفاق مع تركيا لاسيما أنه كان من أنصار التقرب بين تركيا وبلغاريا، فرضى نتشيفيتش بتغيير خط «أنوس- ميديه» الذي كان الأتراك غير راضين به، وجعل الفاصل خطا مارا بقصبة شورلو، ولكن الأتراك طلبوا أن بلغاريا تقبل النصيب المرفوض عليها من الدين العثماني على نسبة ما أخذته من أملاك تركيا، وتقبل أيضا بإعطاء تأمينات متعلقة بحقوق المسلمين الذين في المملكة البلغارية والبلاد التي استولت عليها هذه المرة، وتتعهد بعدم تقاضي تضمينات حربية فلم يقدر تنشيفيتش أن يتعهد صريحا بقبول هذه المطالب، فزحف الجيش العثماني بقيادة أحمد عزت باشا من جهتين، شطر منه سار من جهة رودوستو والآخر من جهة شورلو وفي 22 تموز وصل المتطوعون وخيالة العرب والأكراد إلى أدرنة تحت قيادة أنور باشا.
وأما البلغار فلما وجدوا الجيش العثماني زحف عليهم نكصوا بدون قتال ولم يباشروا إلا مدافعات جزئية قتل فيها صاحبنا رشيد بك ابن المشير فؤاد باشا، كنا معا في حرب طرابلس ولم تكن من البلغار مقاومة إلا بعد أن وصلوا إلى حدود بلغاريا الأصلية ولكنهم لم يقدروا على مقاومة تذكر، ولو شاء العثمانيون يومئذ أو يتوغلوا في نفس بلغاريا الأصلية لأمكنهم ذلك، لكنهم كانوا يخشون اعتراض الدول فأرسل الباب العالي إلى الدول مذكرة يقول فيها إن الدولة أبلغت بلغاريا بوجوب سحب عساكرها من الأراضي التي احتلتها جنودها وذلك لأجل وضع حدود تتمكن بها تركيا من المحافظة على الأستانة وعلى الدردنيل. وهذه الحدود غير ممكنة إلا باتباع مجرى نهر المريج، بحيث كل ما هو جنوبي هذا النهر يبقى لتركيا.
فلما لم يجب البلغار طلب تركيا اضطرت الدولة إلى احتلال هذه الأراضي تاركة تعيين الحدود الموافقة للمذكرات السياسية، فغضبت الدول من أجل إخلال تركيا بقرار مؤتمر لندرة الذي عين خط «أنوس-ميديه» فاصلا بين تركيا وبلغاريا، وأرسلت إلى الدولة تنذرها بأنها إن لم تسحب عساكرها من أدرنة فإنها تتخذ جميع التدابير اللازمة لأجل تثبيت قرار المؤتمر، فهذا الجواب لم يرع تركيا وقتئذ، وذلك لأن الأتراك كانوا يرون الدول متمسكات بالقرار الذي يصدرنه في مصلحة أعداء تركيا ويقلن لا يجوز تبديل هذا القرار بوجه من الوجوه، بخلاف ما لو كان القرار في مصلحة تركيا فإنه يتبدل حالا. وقبل الحرب البلقانية أبلغت الدول الفريقين بأن هذه الحرب يكون الغالب والمغلوب فيها سواء، وتبقى الحدود مكانها. فلما تغلب البلقانيون على الأتراك نسيت الدول بلاغها هذا كما تقدم الكلام عليه، فلهذا لم يكن لإنذار الدول هذه المرة موقع خوف في قلوب الأتراك، وأبرق عزت باشا قائد الجيش من أدرنة يقول: إن الجيش لا يمكن أن يتخلى عن أدرنة.