تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم

وهكذا تم لحزب الائتلاف والحرية ما أرادوا من الكيد، وكان المتآمرون محيي الدين بك مدير الأمن العام في وزارة كامل باشا، ورشيد بك ناظر الداخلية السابق، وصالح خير الدين باشا ابن خير الدين باشا التونسي الذي كان صدرا أعظم، وكان صالح باشا من أصهار العائلة السلطانية، وكان في هذه المؤامرة أيضا صباح الدين بك ابن أخت السلطان، فانتدبوا بعض الأشقياء وبعض الجناة من أصحاب السوابق في القتل ورشوهم وكانوا يعتقدون أنه بمجرد قتل محمود شوكت باشا يستولون على الحكم حالا ويقتلون رفاقه مثل أنور وطلعت وجمال وغيرهم، فذهبت هذه المصابة وترصدت محمود شوكت باشا عند مروره بسيارته من ساحة بايزيد آتيا من نظارة الحربية إلى الباب العالي وكان ذلك في 28 يونيو سنة 1913 نحو الساعة العاشرة والنصف قبل الظهر، فقتلوه وهو في سيارته، وقتلوا معه ياوره إبراهيم بك.

وأما الياور الآخر أشرف بك فأمكنه الخلاص وذهب مستنجدا بالبوليس. فنقل محمود شوكت باشا نظارة الحربية حيث مات بعد عشرين دقيقة من الواقعة لأنه كان خرق جسمه خمس رصاصات. فكان بين قتل ناظم باشا وقتل محمود شوكت باشا أقل من ستة أشهر بخمسة أيام، وأفظع شيء في قتل محمود شوكت باشا أن اثنين من الذين تآمروا بقتله كانا سيقتلان بعد واقعة الثورة على الدستور ومجئ جيش الحرية من سلانيك إلى الأستانة، فعفا عنهما محمود شوكت باشا القائد يومئذ وأنقذهما من القتل، وعفا عن مجرمين سياسيين كثيرين برغم جمعية الاتحاد والترقي التي كانت تريد الاقتصاص منهم، فكان أن الذين عفا عنهم محمود شوكت باشا هم أنفسهم المتآمرين على قتله. ولكنهم لم يبلغوا هذه المرة أمنيتهم، فما أغمض محمود شوكت باشا عينه حتى تولى الحكم الأمير سعيد حليم باشا مكانه، وهو ابن الأمير حليم باشا المصري ابن محمد علي باشا والي مصر، وكان الأمير حليم باشا يسكن الأستانة وأولاده نشأوا فيها، وانضم كبيرهم الأمير سعيد حليم وأخوه الأمير عباس إلى جمعية الاتحاد والترقي، وكانا من أماثل الرجال، وكان الأمير سعيد واسع العلم، ثابت الجنان عظيم الحمية، وفي أيام صدارته استرجعت الدولة نشاطها، وزال ما كان طرأ عليها من الوهل، وتعين طلعت بك ناظرا للداخلية، وكان هو روح الاتحاد والترقي، وهو أجرأ الاتحاديين وأشدهم إقداما، وأسرعهم فهما، وأمضاهم في الأمور، وقد جمع إلى الذكاء والحزم عفة النفس، فإنه كان مأمورا في التلغراف من الدرجة الثانية، فلما صار الانقلاب كان هو من أشد الاتحاديين مضاء، وأعظمهم أثرا بالجمعية، فصار ناظرا للتلغراف، ثم صار ناظرا للداخلية، وفي الحرب العامة تولى الصدارة وبقي فيها إلى نهاية الحرب. ودخل في الحكومة فقيرا وخرج منها فقيرا، وكان يقول: ألا يكفي أن هذه الأمة تحملت جهلي، أفأجعلها تتحمل انحطاط أخلاقي. كان يتكلم عن جهله لأنه لم يكن من العلماء، أو ممن لهم تحصيل للعلم كاف، ولكن كان ذكاؤه الفطري أعجوبة، وكانت جرأته خارقة للعادة، فصار سيد الاتحاد والترقي بدون منازع. وكانت نهايته في برلين قتيلا بيد أرمني أرسلته جمعيات الأرمن لاغتياله وكنا في ذلك الوقت في برلين، وكنت بالمذاكرة معه أسست ناديا يجمع جميع الشرقيين وانتخبت رئيسا له باتفاق الكلمة، فاحتفلنا له باسم النادي الشرقي بمأتم عظيم، وأبقينا تجاليده في مكان خاص بالجبانة الإسلامية في برلين.

وكانت الجبانة قد ضاقت جدا ولم يبق فيها مكان للدفن، فراجعت الحكومة الألمانية فسمحت لنا بألف وخمس مئة متر مربع أضفناها إليها، وأدرنا حولها جدارا وبنينا فيها مسجدا صغيرا لإيواء المصلين على الجنائز في أيام المطر والثلج، وأنشأنا بجانبه منزلا لأجل حارس الجبانة، فجعلنا جثة المرحوم طلعت باشا في غرفة من ذلك المحل، وجرى تحنيطها حتى يتيسر نقلها إلى الأستانة ودفنها هناك. فلما استقلت تركيا وجاءت الحكومة الكمالية الأنقرية لم تسمح بدفن طلعت في تركيا. فكان من الغرائب أن أعظم الأتراك حمية على وطنه لم يمكن دفنه فيه، وما أبت الحكومة الكمالية دفن طلعت في الأستانة إلا خوفا من أن يكون له مأتم تقوم له تركيا وتقعد وتتجدد فيها قوة الاتحاد والترقي. فسبحان الله الذي جعل طلعت ممن يخافه الناس في حياته وبعد مماته! وكان مع هذا من ألطف الناس خلقا، وأحلاهم عشرة، وأودعهم نفسا. وأيام كنا في برلين سنة 1920 كنا نجتمع كل يوم تقريبا، وقد ترجمته في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» ترجمة وافية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٦