تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما سقطت سلانيك في أيدي البلقانيين كان قد اجتمع فيها جميع المسلمين الذين في جوارها، والذين فروا من وجه جيوش الأعداء فدخل اليونان والبلغار إلى سلانيك وفيها مئة وخمسون ألف نسمة من المسلمين اللاجئين إليها، فضلا عن المسلمين الذين هم من أهلها، وقد ضبط الأعداء جميع الأقوات والأرزاق التي في البلدة لأجل جيوشهم، فصار المسلمون على شفا الهلاك جوعا، وحرص اليونان والبلغار على قطع أخبار سلانيك عن العالم حتى لا يعلم أحد ماذا يجري فيها، وهذا قد كان من أسوأ أعمالهم، وكأنهم أرادوا أن يمحوا هؤلاء المسلمين الذين اجتمعوا هناك بواسطة الإجاعة فلم يجدوا وسيلة أحسن من قطع أخبار سلانيك عن العالم حتى لا يعرف المسلمون ماذا جرى، ولا يرد منهم أدنى مدد إلى مسلمي سلانيك، ولكن أبى الله إلا أن يغاثوا فجاء رئيس أطباء الجيش العثماني في سلانيك إلى الأستانة واسمه سلامي باشا وكان خروجه من سلانيك بمجرد دخول العدو، فلم يطأ أرض الأستانة حتى اجتمعنا به ومنه أخذنا الخبر عن سقوط تلك البلدة لأن البلقانيين كانوا قطعوا الأسلاك التلغرافية، فكان لم يمض على سقوطها غير ثلاثة أيام. وهو الذي أخبرنا بأن في سلانيك مائتي ألف مسلم بالأقل إذا مضى عليهم عشرة أيام، ولم تأتهم أقوات يموتون كلهم جوعا. فسرعان ما حركت قلمي بالإبراق إلى مصر سواء إلى الأمير عمر طوسون أو إلى الهلال الأحمر، وحيى الله لجنة الإعانة المصرية والهلال الأحمر المصري، فإنه ما مضى أسبوع حتى كانت البواخر دخلت مرفأ سلانيك ملأى بالأقوات والأرزاق والأكسية وجميع اللوازم الضرورية، ومعها الرجال الموكلون بها، فأغاثوا المسلمين وانتاشوهم من خطر الهلاك جوعا، وكذلك سمعت أن الخديوي السابق أرسل بواخر إلى مرسى «قوله» موقرة أرزاقا لأن قوله هي موطن محمد علي باشا جد العائلة المالكة في مصر. وكان اجتمع إليها أيضا عشرات ألوف من المسلمين الفارين من وجه البلقانيين.

وخلاصة القول أن المقام الذي قامه أهل مصر أبقاهم الله ركنا للإسلام من إغاثة مسلمي البلقان في الحرب البلقانية يبقى لهم مأثرة خالدة لا تبليها الأيام في تاريخ الإسلام.

ونعود إلى وقائع الحرب فنقول: إن الحكومة العثمانية بعد أن تولى الوزارة محمود شوكت باشا كانت ترغب في الصلح، ولكنها لم تكن ترضاه على أي الوجوه، وكان رجال الاتحاد والترقي يريدون استمرار الحرب على أمل الكرة على البلغار وأخذ الثأر منهم، لأنهم كانوا جميعا يعتقدون أن الهزيمة التي انهزمها الجيش العثماني في الحرب البلقانية كانت حادثة على خلاف القياس. ولكن الدول بدأت تضغط على الدولة في أمر الصلح وفي 31 مارس أرسلت الدول مذكرة إلى الباب العالي تلح في عقد الصلح ولكنها تصرح بأنها لا تدعو الدولة إلى دفع غرامة حربية، أما الخط الفاصل بين الأملاك العثمانية والمملكة البلغارية فكان خطا ممتدا من البحر الأسود إلى بحر الأرخبيل يقال له خط «ميديا-أنوس» وهو في الواقع خط لا يبعد كثيرا عن شطلجة، وكان مؤتمر الدول في لندرة قرر إرسال لجنة عسكرية لتحديد الخط المذكور بالفعل على قدر ما تسمح حالة الأراضي من تقويمه. وأما ألبانيا فقرر المؤتمر سلخها عن تركيا، وجعلها مملكة مستقلة، وكذلك جزائر بحر الأرخبيل كان المؤتمر يريد أن يجعل لها نظاما خاصا، ما عدا كريت فكانوا قرروا إلحاقها ببلاد اليونان.

وكل ما جرى على الدولة من المصائب لم يضع حدا للشقاق في الأستانة، فقتل ناظم باشا ناظر الحربية بأيدي الاتحاديين أثار غضب أضدادهم حزب الائتلاف والحرية فصاروا يكيدون في الخلفاء للانتقام وإسقاط الوزارة الاتحادية، وبلغ الخبر الاتحاديين فأهملوا الاحتياط اللازم، وقيل لمحمود شوكت باشا: إن أناسا يأتمرون بك ليقتلوك فهز أكتافه لا لكونه لم يصدق الخبر بل لأنه لم يبالي بالحياة، وكان متوكلا معتقدا قوله تعالى:

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٥