تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما زعم بعضهم بأن أنور هو الذي قتل ناظم باشا فليس بصحيح، لأن كامل باشا نفسه روى في مصر لمن حادثه من أصحاب الجرائد أن جماعة الاتحاديين اجتمعوا أمام الباب العالي وكانوا نحوا من مئة شخص، ودخل أنور عليه يقدم له الاحتجاج على تخلية أدرنة، وبينما هو يقرأه سمع صوت الرصاص أمام الباب، فخرج فوجد ناظم باشا صريعا. إذا أنور برئ من هذه التهمة بشهادة كامل باشا نفسه، وأما كيفية قتل ناظم باشا وياوره توفيق القبرصلي فقد اختلف فيها، والأقرب أنه انهر الجمع فأهانوه بالكلام فتصدى ياوره للقبض على من استطالوا عليه فحينئذ أطلقوا الرصاص على الناظر والياور معا وقتلوهما. وبعد ذلك وقع استعفاء الوزارة، وذهب كامل باشا وجمال الدين أفندي شيخ الإسلام إلى مصر، وذهب فريد باشا الأرناؤوطي الصدر السابق أيضا إلى مصر، وشاهدتهم هناك ، وجرى بيني وبين فريد باشا جدال طويل في سراي عابدين أمام جمال الدين أفندي، وكان صدره ملآن وغرا على الاتحاديين وكنت أقول له: إنني آسف من هذه المنازعات الحزبية في أثناء ما البلغار مخيمون على أبواب الأستانة، وأتأسف من تفكره والحالة هي هذه بعداوة الاتحاديين. فامعتض جدا مما واجهته به، وشرع جمال الدين أفندي شيخ الإسلام في تهدئة روع كل منا.

ثم في 30 يناير سنة 1913 ردت الدولة الجواب على الدول ومال مذكراتها الجوابية وهي من جهة أدرنة التخلي عن أحد شطريها وهو ما يقع على الضفة اليمنى من نهر المريج، فأما

الضفة اليسرى التي فيها المدينة الحقيقية فتبقى لتركيا، وكذلك لم توافق الدولة على ترك جزائر الأرخبيل. ثم اقترحت على الدول إلغاء الامتيازات الأجنبية التي تعرقل سير الإصلاح الإداري في تركيا، وطلبت أن يكون لها الحق بضرب المكوس التي تستلزمها الحالة، وطلبت إضافة أربعة في المئة على رسوم الجمارك وغير ذلك مما لم تجب إليه الدول. ولما رأى البلغار أن تريا لا تريد تسليم أدرنة جددوا الحرب وهاجموا أدرنة، وجددوا القتال أيضا في شطلجة، وبولايير. بقرب الدردنيل، ومع كون واقعة بولايير لم يوفق فيها الترك فإنه كان يتعذر على البلغار أن يربحوا شيئا من استمرارهم على الحرب. ثم إن الترك كسروهم في واقعة كالكترية، وكانت الدولة استجدت نشاطها، وقطع البلغار آمالهم من التغلب عليها. نعم أن مدينة يانيا في جنوبي ألبانيا كانت استسلمت للجيش اليوناني بعد حصار طال عدة أشهر، ولم يبق فيها قوة ولا ذخيرة فاضطرت حاميتها إلى الاستسلام في 5 مارس ومثل ذلك مدينة أدرنة التي اضطر قائدها شكري باشا إلى تسليمها في 26 مارس فتكون مدة حصارها ستة أشهر وثمانية أيام، كما أن مدة حصار يانيا كانت نحوا من أربعة أشهر وكل من البلدتين لم يتمكن البلقانيون من الاستيلاء عليها إلا بالجوع ولو كان فيهما الميرة الكافية والعلف الكافي للبنادق والمدافع، ما كان في استطاعة البلقانيين دخولها. والدفاع الذي دافعه شكري باشا عن أدرنة يبقى صفحة تاريخية باهرة في تاريخ تركيا، وطالما اقترح عليه البلقانيون تسليم أدرنة تحت شرائط شريفة فأبى، وأجاب بأنه لا يسلمها إلا ميتا، ولكن بعد أن نفذت الذخيرة، وانتهى القوت، لم يبق في استطاعته المقاومة. وأما في الحرب فقد حمل عليه البلغار والسرب مرارا عديدة، وكانوا يرتدون على أدبارهم، وقضى هو وأهالي أدرنة من الجوع وإعواز ضروريات الحياة شيئا كثيرا علمت منه أنا بنفسي حقائق مرة يوم كنت مفتشا للهلال الأحمر المصري في الأستانة مع محمد باشا الشريعي، وكامل باشا جلال. وذلك أنه جاءنا رسول من قبل شكري باشا في أثناء الحصار يقول إنه إنسل من أدرنة خفية ومعه كتابة إلى الباب العالي بطلب مبلغ من المال لشراء حنطة للعسكر، وأن الجوع قد ضرس العسكر بنابه، ولم يجدوا مالا في الخزينة ذلك الوقت. فهل من المكن أن الهلال الأحمر المصري أو لجنة الإعانة المصرية تقرض الدولة مبلغا لأجل إغاثة حامية أدرنة، فتذاكرت مع رفاقي وأرسلنا بواسطة الدولة سرا عشرة آلاف جنيه من مبلغ الإعانة المصرية إلى شكري باشا تحت اسم إعانة لجياع أدرنة.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٢