تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما أحمد عزت باشا الأرناؤوطي الذي كان واليا في اليمن وجاء في آخر الحرب وكان لا يصدق بانكسار الجيش العثماني في ظروف الأحوال التي انكسر بها لكثرة ما رأى من أغلاط القيادة، فقد كاشفته بما في نفسي من قضية جمع العساكر التي في آسيا، واستنفار القبائل العربية والكردية، فأجابني بالموافقة على الشق الأول، وأما الشق الثاني فقال لي: كان هذا موافقا جدا لو وقع في أول الحرب، أما الآن فلم يبق ميدان لشن هذه الغارات بعد أن احتل العدو جميع الرومللي، وانحصر الجيش العثماني في شطلجة. نعم قال لي هذا ولكنه رجع فيما بعد إلى رأيي. ولما استرجع الأتراك تراقية الشرقية وأدرنة كما سيأتي الكلام عليه، واستدعت الدولة وفدا من سورية إلى الأستانة ثمانية أعضاء كنت أنا من جملتهم لبعض المذاكرات المتعلقة بالإصلاحات الداخلية، دعتنا أن نذهب إلى أدرنة ونهنئ أهلها على الخلاص، فشاهدت فريقا من القبائل مخيمين غير بعيد عن البلدة وهم من قبائل العراق، وكانوا بزيهم العربي أي بالعقل والكوفيات، وزرتهم في مضاربهم وشربت القهوة عندهم، وعلمت أنه في الكرة التي كرها الترك على البلغار وأخرجوهم فيها من أدرنة كان لهذه القبائل بلاء شديد، وكان مجرد مشاهدتهم قبل فعلهم يوقع الرعب في البلغار. ولو كانت الدولة تنبهت لهذا الأمر وسحبت من بوادي الشام والزور والعراق ثلاثين ألف فارس من العرب والأكراد وجعلتهم ردعا للجيش المنظم لما حل بها هذا الفشل العظيم الذي حل بها في الحرب البلقانية، ولكن الدولة استخفت بأعدائها يومئذ استخفافا خيل لها أنها ذاهبة إلى حرب لا يزيد على تأديب عصاة!!

ولما جاؤا إلى المذاكرات الصلحية استندت الدولة على بيان البلقانيين أنهم لا يريدون من هذا الحرب إلا إصلاح إدارة البلدان التي يسكنها أقوام منهم، وأظهرت استعدادها لإعطاء مكدونية إدارة خاصة تحت مراقبة الدول، فأجاب البلقانون بأنهم إنما كانوا رضوا بذلك الاقتراح أملا بتفادي الحرب، والحال أن الحرب قد وقعت برفض الدولة لهذا المشروع فالآن هم يريدون العمل بنتيجة الحرب، وهو إدخال إخوانهم في ممالكهم رأسا، ويطلبون غرامة حربية لتعويضهم مما تكلفوه، وطلب البلغار أن تكون حدودهم خطا يذهب من «ميديه» على البحر الأسود إلى بحر الأرخبيل وتكون «قوله» تابعة لهم. وطلب السربيون ولايتي «قوصوه» و«مناستر». وطلب الجبل الأسود «شقودره» وتوابعها. وطلب اليونان جميع الجزائر وولاية يانيا ومكدونية السفلى داخلا فيها سلانيك وتراقية الغربية، فرفض الأتراك هذه المطالب كلها، وانعقد مؤتمر الصلح في لندره وتواجهت الخصوم بعضها مع بعض.

وكانت الدولة حشدت ثلاثة جيوش أتت بها من آسيا، وصممت أنها لدى الحاجة تزحف وترفع الحصار عن أدرنة التي كان البلقانيون عجزوا عن فتحها، وبتوسط الدول رضيت تركيا أن تتخلى للبلغار عن بعض أماكن غربي أدرنة، وأما من جهة جزائر الأرخبيل فرفضت أيضا تركيا التخلي عنها لليونان، واقترحت أن تترك للدول حل مسألة كريت. وأما ألبانيا فقد رضيت تركيا بأن يكون لها استقلال داخلي وأن تتعين حدودها بالاتفاق مع الدول، فلما رأت الدول أن الدولة غير مستعدة لإجابة البلقانيين إلى مطالبهم، وأن الحرب قد يستأنف نشوبها، أرسلت إلى الدولة في 10 يناير سنة 1913 مذكرة عمومية تنصح لها فيها بقبول مطالب البلقانيين، وبالتخلي عن أدرنة للبلغار، وأنه يقع اتفاق على حماية مسلمي أدرنة، وصيانة المساجد والمقابر الإسلامية التي فيها، وأنه إذا كانت تركيا تصر على الحرب فهذه المرة يجوز أن الحرب تمتد إلى آسيا، وأنه لا يمكن أن تقترض تركيا مالا من أوروبا عند الاحتياج لأجل إصلاح ممالكها في آسيا. وكان الاتحاديون معارضين أشد المعارضة في الصلح على هذه الصورة، وكانوا يقذفون بكامل باشا لجنوحه إلى السلم، ويقولون لا يحق له أن يتخلى عن شبر من أراضي المملكة بدون قرار مجلس الأمة، والحال أن المجلس كان منفضا. فأجمع كامل باشا على عقد مجمع كبير من رجال الدولة وأعيانها لاستشارتهم في هذا الخطب الجلل، وهي عادة قديمة عند الدولة بأنها في الخطوب الكبرى تدعوا الوزراء الذين في الخدمة، والوزراء السابقين، وقواد الجيش القائمين على الخدمة والمتقاعدين، والعلماء الكبار، ورؤساء الطرق، وكبار أصحاب الأملاك، وأعيان التجار والزراع، ومثل هذا الديوان انعقد في ديسمبر سنة 1876 عندما طلبت الدول وضع مكدونية وبلغاريا والبوسنة والهرسك تحت المراقبة الأوروبية، فرفض الديوان الذي انعقد يومئذ اقتراح الدول هذا، وأدى ذلك إلى نشوب الحرب الروسية التركية. فالديوان الذي عقده كامل باشا هذه المرة لم يحل المسألة حلا نهائيا، وانقضى بالمذاكرات على كيفية المقاومة. وبعد ذلك جاءت جماعة من الاتحاديين إلى الباب العالي وبيدهم طلب يتضمن رفض تسليم أدرنة، ودخل أنور إلى مجلس الوزراء يقدم هذا الطلب إلى الصدر الأعظم، وفي أثناء وجوده داخلا حصلت جلبة أمام الباب العالي، فخرج ناظم باشا ناظر الحربية وانتهر الذين كانوا يرفعون أصواتهم ليحدثوا الضوضاء، فأطلق عليه أحدهم الرصاص فقتله. فخرج كامل باشا فوجد ناظم باشا صريعا فاستقال من الصدارة بتلك الدقيقة، وركب عربته وسار إلى بيته. وتولى الاتحاديون الحكومة تحت رئاسة محمود شوكت باشا بعد أن جاء أنور إلى سراي «طولمه باغجة» وحصل على الأمر السلطاني بذلك.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩١