تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إننا قررنا بعد ذلك إرسال بعثة من الهلال الأحمر المصري إلى أدرنة، فأبرقت إلى الأمير محمد علي توفيق رئيس الهلال الأحمر المصري وإلى الأمير عمر طوسون رئيس لجنة الإعانة المصرية بوجوب السعي لدى الدول حتى تتوسط مع البلغار لأجل إدخال بعثة إلى أدرنة لمعالجة الجرحى والمرضى، وتم الأمر ودخلت البعثة المصرية وأعانت الجيش العثماني ومسلمي أدرنة إعانة فوق الوصف، وعرفت مقدارها. بنفسي وذلك أنه بعد استرداد الدولة لأدرنة كما سيأتي الكلام عليه، استدعت الدولة وفدا من سورية كان مؤلفا من ثمانية أشخاص، محمد فوزي باشا العظم، وعبد الرحمن بك اليوسف، وأمين أفندي الترزي من دمشق، ومحمد باشا المخزومي، والدكتور حسن الأسير من بيروت، والشيخ أسعد الشقيري من عكا، ونصرى أفندي الشنتيري من بيروت، والأستاذ الشيخ عبد المحسن أفندي الأسطواني قاضي الشام الحالي، وهذا العاجز كاتب السطور، ولم يبق في الحياة من هذا الوفد غيري وغير الأستاذ الأسطواني والشيخ الشقيري ونصرى الشنتيري . وكان ذهابنا من بيروت إلى الأستانة في شهر أغسطس 1913 لأجل مذاكرات مع الدولة تتعلق بالإصلاحات الداخلية في سورية وبتسكين الأمور بين العرب والترك، وكانت الدولة استرجعت أدرنة، فدعتنا إلى زيارتها لأجل تهنئة أهلها بالرجوع إلى حضن السلطنة العثمانية فذهبنا إلى هناك واحتفل الجيش المرابط بوصولنا، وفي حضور الجيش تلوت قصيدة منشورة في ديواني الذي هو الآن تحت الطبع مطلعها:

فدى لحمانا كل من يمنع الحمى

ومن ليس يرضى حوضه متهدما

فما العيش إلا أن نموت أعزة

وما الموت إلا أن نعيش ونسلما

وخطب في الجمع الشيخ الشقيري وخطب في صلاة الجمعة الشيخ أحمد الفقيه المكي الذي جاء معنا خطبة بصوته الشجي وفصاحته الحجازية مما حقق قولي في قصيدتي:

أدرنتنا لو كان للصخر ألسن

بها يوم عاد الراجعون تكلما

فما من فتى إلا وأجهش بالبكا

ولا من جواد عاد إلا وحمحما

ولا غادة إلا وكفكف دمعها

مكر حماة العرض كالسيل مفعما

ولا منبر إلا وأورق بهجة

وقام عليه ساجع مترنما

وقرت عيون المصطفى في ضريحه

وهناه في الفردوس عيسى ابن مريما

ومنها:

فمن مبلغ البلغار أنا إلى الوغى

وإخواننا الأتراك نزحف توأما

وأن جميع العرب والترك أمة

حنيفية بيضاء لن تتقسما

وقولوا لهم بانت سعاد فلا يزل

فؤادكم صبا عليها متما

فلا يطمعنكم في أدرنة مطمع

ولا تفتحوا في شأنها أبدا فما

أدرنة صارت عندنا تلو مكة

وماء المريج اليوم أشبه زمزما

ولما أقبل الليل كان الوالي الحاج عادل بك أعد لنا مكانا للمبيت فاستعفيت منه قائلا: إنني كنت مفتشا للهلال الأحمر المصري، ولا يزال له بعثة في أدرنة وكنت أنا السبب في دخولها، فأرغب في المبيت بدائرة الهلال الأحمر المصري، فذهبت وبت هناك وعند الصباح رأيت مئات من مسلمي أدرنة أمام دائرة الهلال الأحمر وبأيديهم سطول، فسألت عن ذلك فقالوا: إنه كل يوم يتوزع عليهم حساء وخبز، ولكنهم قالوا إنه في أثناء حصار أدرنة بعد أن قلت الأقوات واشتد الجوع كان الأربعون ألف نسمة من مسلمي أدرنة يعيشون كلهم من الهلال الأحمر المصري، ولولاه لهلكوا بأجمعهم من الجوع، لأنه لم يبق بأيديهم شيء من طول الحصار، حتى أن الذين في أيديهم شيء من النقود لو أرادوا شراء القوت لم يجدوه، فالله تعالى أغاثهم بوجود هذه البعثة المصرية. ولما استرجعت الدولة أدرنة درت الخيرات، وارتفع الضيق ووزعت الدولة عليهم الأقوات، فلم يعودا محتاجين إلى الهلال الأحمر، وقالوا لي إن الذين تراهم الآن إنما هم خمس مئة أو ست مئة شخص منا لمساكين والعاجزين.

وبمناسبة هذه المعاونة التي لقيتها أدرنة من حمية أهل مصر ينبغي لي أن أذكر على وجه الإجمال ما قامت به مصر كنانة الله في أرضه من إمداد الدولة العثمانية في الحرب البلقانية المشئومة، وأن لا أدع هذه الواقعة غفلا قياما بواجب الأمانة مع التاريخ، وتوفيرا للحق لأهله، فأهل مصر يومئذ حققوا قوله تعالى:

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٣