تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Hisioire de l’Empire Ottoman depuis les Origines jnsqu a nos jours por le Vte de la jonquiere .

وهو المطبوع في باريز سنة 1914 وهو تاريخ غريب الشكل جدا، كتابته من أولها إلى آخرها تحامل على الأتراك وعلى الإسلام جميعا، ونقص من مزاياهم وبخس من أشيائهم، وتحريف للوقائع عن حقائقها، وليس يخلو سطر واحد من هذا الكتاب من عبارة بغضاء تخرج من فم مؤلفه مما هو مخالف لشروط التاريخ. ومع هذا فالفرنسيس يعتمدون على هذا الكتاب ويظنونه بالفعل تاريخا للسلطنة العثمانية.

ثم نعود إلى قضية طلب الصلح فنقول إن البلغار لو كانوا علموا هم والسربيين أنهم يقدرون أن يناموا على ظفرهم هذا لما كانوا رضوا بالصلح، بل كانوا مضوا في الحرب إلى آخرها ليزدادوا ربحا ماديا، ومجدا معنويا، ولكنهم علموا أن الدولة العثمانية قد تستجمع قواها وتهزمهم عن شطلجة، وتذهب جميع مجهوداتهم سدى. فأما اليونان فأبو الصلح لأنه كان عليهم أن يستصفوا فتح البلدان التي يريدون ضمها إليهم، ولم يكونوا يخشون استجماع الدولة قواها، فأما في البحر فلم يكونوا خائفين على سواحلهم، لأن الأسطول العثماني كان أضعف من أسطولهم. أما في البر فكان الجيش العثماني لا يقدر أن يلتحم مع الجيش اليوناني إلى بعد أن يدحر الجيش البلغاري كله في تراقية والجيش السربي كله في مكدونية، أما في الأستانة فكان كامل باشا وحزبه مصممين على الصلح، وكان الاتحاديون يريدون متابعة القتال حتى يغسلوا هذا العار الذي التحق بالدولة، ولم يسبق له نظير لأنهم كانوا يقولون: إن تغلب دولة كالروسيا سكانها 160 مليونا على تركيا التي سكانها 26 مليونا ليس بعجيب ولكن تغلب هذه الدويلات الصغيرة التي سكانها يومئذ لا يزيدون مجتمعين على اثنى عشر مليونا هو غير مفهوم، ولا يجوز للدولة أن ترضى به بوجه من الوجوه إلا إذا كانت ترضى بانحلالها التام. وكانوا يعدون الفشل الذي وقع في الجيش العثماني أشبه بقضاء نزل، أو آفة سماوية لا ينبغي أن تكون قاعدة، وعلى ل حال ينبغي متابعة الحرب حتى تسترد الدولة شأنها، وإلا فلا حياة لها بعد ذلك. وذهب الأمير حليم سعيد باشا، وطلعت بك إلى كامل باشا عندما شاع عزمه على عقد الصلح وجادلاه طويلا حتى يصرفا نظره عن ذلك فقال لهما: إن الاتحاديين هم الذين أصروا على الحرب وهم الذين كانوا السبب في هذه المصائب، وأنه هو لا يريد أن ينقاد إلى آرائهم فرجعا بخفي حنين.

وفي 3 دسمبر انعقدت المتاركة بين تركيا من جهة، وبلغارية وسربيا والجبل الأسود من جهة أخرى، وأبرق ناظم باشا ناظر الحربية من موقع القتال إلى كامل باشا بذلك وكانوا قرروا مباشرة المفاوضات الصلحية بعد عقد المتاركة بعشرة أيام وكانت أدرنة لا تزال محصورة لا يقدر الأعداء عليها، فكانت شروط البلقانيين هي تسليم أدرنة، ومناستر، وشقودرة، لأن المدن الثلاث لم يقدر البلقانيون عليها وكذلك كان اليونان يحاصرون يانيا ولم يقدروا عليها، وطلب البلقانيون تخلية الجيش العثماني لشطلجة، وعدم إرسال قوة من قبل الدولة العثمانية إلى ساحات القتال في أوروبا، وأجاب الترك برفض تخلية شطلجة، وباقتراح تموين المدن التركية المحصورة وبعد أخذ ورد طويلين خيف في أثنائهما من انقطاع المفاوضات اتفق ناظم باشا والجنرال سافوف البلغاري على أن تبقى العساكر العثمانية في شطلجة، وتبقى العساكر البلغارية والسربية في مراكزها، ويكون بين الفريقين منطقة متحايدة. ورفض اليونان الدخول في المتاركة لأنهم كانوا يريدون فتح يانيا، وكانت لا تزال ممتنعة عليهم.

ثم جاء ناظم باشا إلى الأستانة بعد عقد المتاركة وهو لا يشك أن الصلح واقع فذهب محرر هذه السطور لمقابلته وأبديت وأعدت معه في أن شأن الدولة قد انكسر تماما في هذه الحرب، وأن الدولة لا يمكن أن تحيى بعد أن انكسر شأنها إلى هذا الحد وأن الدولة لا يزال في يدها قوى تقدر بها على تلافي ما فرط، وأن في ولاياتها الآسيوية عساكر كثيرة تقدر أن تجرها إلى ميدان القتال وتستأنف الكرة، وقلت له: إن البلقانيين بعصائرهم التي كانت تعبث في تراقية ومكدونية قد شغلوا الدولة أكثر مما شغلتها جيوشهم المنظمة، فكان يجب على الدولة أن تقابلهم بالمثل، وأن تأتي بجانب من القبائل الكردية والعربية وتبثها بشبه جزيرة البلقان، فإنه من الصعب جدا أن يستطيع البلقانيون تأمين البلاد التي احتلوها إذا شنت هذه القبائل الغارات في أطرافها. فقال لي ناظم باشا: إن الصلح كان مقرر، والقتال لن يتجدد، وعبارته هكذا بالحرف «غوغا تكرر إيتمية جكدر» أي أن القتال لن يتكرر. فأبديت له عدم اعتقادي كون الحرب انتهت، وذهابي إلى أنه لابد من أن تشتعل الحرب من جديد، فعلى الدولة أن تستحضر جميع عساكرها الباقية في آسيا. وخرجت من عند ناظم باشا أنا غير متعجب من فشل الدولة في هذه الحرب.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٩٠