ثم نعود إلى الحرب البلقانية فنقول: إن سبب الفشل الفظيع الذي حل بتركيا في تلك الحرب كان إقدام الأتراك على القتال بدون استعداد كاف، وعلى ظن أنهم بمجرد اللقاء يهزمون البلقانيين كما هزموا اليونان سنة 1894، فهاجموا البلغار في تراقية بدون منهاج حربي معين، معتقدين أنهم سائرون إلى تأديب رعية ثائرة، والحال أن الجيش البلغاري كان على تمام الاستعداد من كل جهة. فلما انكسر الترك في هذه الجهة في الصدمة الأولى انكسرت جميع قواهم المعنوية دفعة واحدة، وصارت هذه الحرب عبارة عن سلسلة مصائب. على أن البلغار كانت لحقت بهم خسائر عظيمة ولما وصلوا أمام «شطلجة» كان القتال قد برح بهم، فلما هاجموا الأتراك في شطلجة لم يقدروا عليهم. وكان هؤلاء قد تنبهوا للخطر المحدق بهم وتأملوا في فظاعة دخول البلغار إلى الأستانة، وأفاقوا بعض الشيء من عماياتهم الحزبية التي كانت إلى ذلك الوقت هي شغلهم الشاغل، وأرسلت الحكومة عددا من الوعاظ إلى شطلجة يثيرون الحمية الدينية في رؤوس العساكر، وهذا خلاف ما كانوا عولوا عليه من قبل. فإنه لما بدأت الدول البلقانية الأربع بالقتال أعلنت في مناشيرها الرسمية أنها في حربها هذه إنما تباشر حبا صليبية ضد الهلال، وصارت من أول الحرب على هذه الخطة، ولكن الدولة العثمانية تجنبت في مناشيرها مقابلة البلقانيين بالمثل، وتحاشت في هذه الحرب كل صبغة دينية. وبقيت كذلك إلى أن دارت عليها الدائرة فأرسلت إلى الجيش المرابط في شطلجة الوعاظ وخطباء الجوامع يستفزون حمية الجنود باسم الإسلام الذي أصبح على شفا جرف هاو، وكان الجنود من أنفسهم أدركوا أنه لم يبق أمام البلقانيين ليقضوا على الدولة سوى عقبة شطلجة، فاستجدوا عزائمهم ونظرا لضيق خط الدفاع - لأن شطلجة أشبه ببرزخ واقع بين البحر الأسود من الشرق، وبحر مرمرة من الغرب - تمكن الجيش العثماني من الثبات فيه برغم هجوم البلغار الشديد، بل عندما هجم هؤلاء دحرهم الأتراك وألحقوا بهم خسائر فادحة. وحاول البلغار مهاجمات أخرى فانكسروا فيها.
وكان قد وصل من اليمن الجنرال أحمد عزت باشا وهو من أمهر القواد العثمانيين وأوقرهم علما، وأوسعهم بصيرة، فذهب وشاهد حالة الجيش المعنوية والمادية في شطلجة، وحادثته بعد رجوعه منها هل هناك أمل في إمكان المقاومة بعد هذا الذعر الذي حل بالجيش؟ - وكان عنده عبد الهادي باشا الفاروقي وهو من القواد المعروفين - فقال لي: إن الجيش يقدر على المقاومة، نعم لا يعرف كل شيء يمكن أن يجد في أثناء القتال. ولكن الحالة الحاضرة التي رأيتها في شطلجة تؤذن بالتأكيد أن البلغار لا يقدرون أن يخرقوا هذا الخط، وأن يدخلوا إلى الأستانة، وكان كامل باشا قد باشر المساعي في طلب الصلح، ولا شك أنه طلب الصلح راضيا بشروط البلقانيين الثقيلة، فجاء الجنرال محمود مختار باشا إلى الأستانة ونهى الدولة عن هذا التهور في طلب الصلح، وأكد لها بأن الأعداء لم يقدروا أن يخرقوا خطوط شطلجة.
ولم أشاهد محمود مختار بنفسه، ولكن شاهدت والده الغازي مختار باشا، وشكا لي أعظم الشكوى من فسولة القواد الذين تولوا تلك الحرب، واستيلاء الرعب عليهم وقال لي: لولا محمود لدخل البلغار الأستانة، ولكن محمود كان السبب في تثبيت قوة الجيش، وفي منع هذا الهلع الذي استولى على الدولة. وكان كامل باشا قال للسلطان محمد رشاد: إنه يكون الأوفق انتقال جلالته إلى بروسة خوفا من دخول البلغار إلى الأستانة، فأجابه السلطان: إنني لا أتحرك من مكاني، فإذا كان لم يبق أمة عثمانية قادرة على منع سقوط سلطانها أسيرا فلا مانع عندي من السقوط أسيرا! وقد جرب البلغار بكل قواهم أن يزحزحوا الأتراك عن مواقفهم فلم يقدروا على شيء.
فالرواية التي يذيعها بعض كتاب الأوروبيين بأن الروسيا هي التي منعت البلغار من دخول الأستانة، ولولا ذلك لدخلوها هي غير صحيحة. وقول القائد العام للجيش البلغاري: إننا لو أردنا أن نخرق خطوط شطلجة لأمكننا ذلك، لكن لا نريد أن نتجشم خسائر الهجوم الفادحة بدون فائدة مادية، هو كلام تبجح ليس عليه أدنى دليل. بل البلغار بعد أن دحرهم الأتراك صاروا يخشون أن يعود الأتراك فيكروا عليهم ويخسروا ثمرات انتصارهم، لاسيما أن الدولة كانت بدأت تستدعي قواها التي كانت متفرقة وتجمعها في شطلجة، ومن جملة من زعم أن البلغار إنما ثبطهم عن دخول الأستانة نهي الروسيا لهم عن ذلك هو المسيو «دولاجونكيار» صاحب تاريخ السلطنة العثمانية.