ونعود إلى تاريخ هذه الحرب المشئومة التي انتهت بها ولاية الدولة العثمانية في شبه جزيرة البلقان فنقول: إنه بعد أن انهزمت الجيوش العثمانية في تراقية الشرقية وتراجعت إلى «شطلجة» وتشتت العسكر العثماني في تراقية الغربية، ومكدونية بقيت بلاد الأرناؤوط لم يحتلها العدو، وبقيت القوة هناك أيضا ضعيفة، فتقدم اليونان من جهة الجنوب وما زالوا يهزمون أمامهم تلك الشراذم التفرقة حتى وصلوا إلى «يانيا» وأخيرا استولوا على يانيا. ثم إن السربيين وعساكر الجبل الأسود استولوا أيضا على عدة مواقع من شمالي البانيا، غير أن الأرناؤوط صدوهم عن «شقودرة».
أما من جهة البحر فقد كان الأسطول العثماني انحط انحطاطا عظيما، وكان السلطان عبد الحميد يخشى الأسطول كما يخشى الجيش البري، وكان يكره العساكر البحرية أكثر مما يكره العساكر البرية، لأنه يتذكر أنه لما خلعوا عمه السلطان عبد العزيز في سراي طولمه باغجة التي على ساحل البحر نظر السلطان إلى البحر فوجد الأسطول واقفا أمامه، مع أن عبد العزيز هو الذي أنشأ الأسطول، وكان عبد العزيز شديد العناية به، وكانت الدولة في زمانه دولة بحرية من الدرجة الثالثة.
ولما جرت الحرب العثمانية الروسية كان البحر الأسود كله في يد الدولة، ولكن السلطان عبد الحميد أهمل الأسطول إهمالا تاما، فما زالت قوة تركيا البحرية في أيامه تنحط حتى صارت دولة اليونان أقوى منها في البحر، وبعد خلع عبد الحميد اشتغلت الدولة بالفتن الداخلية، وقامت الأحزاب تتناحر فيما بينها، فلم يكن عند الدولة وقت لإصلاح الأسطول. فلما نشبت الحرب البلقانية أدركت الدولة عظم الضرر الذي جره عليها إهمال الأسطول، وذلك بأنها بسبب ضعف أسطولها لم تقدر أن تستحضر جيش سورية من طريق البحر خوفا من أن الأسطول اليوناني يتعرض للبواخر التي تنقل الجيش من سواحل سورية وكيليكية إلى الأستانة أو الرومللي، ولم تكن يومئذ بين الأناضول وسورية سكك حديدية متصلة حتى يمكن نقل العساكر برا. فجيوش البلاد العربية بقيت جميعا في أرضها. وعدا هذا فقد استولى اليونان على جزائر الأرخبيل. نعم أن الأسطول اليوناني لم يجرأ أن يناطح حصون الدردنيل التي عجزت عنها جيوش الحلفاء الجرارة في الحرب العامة، ولكنه استولى على جزيرة لمنس وانبروس، ومدلى، وساقس، وسائر الجزر. وخرج الأسطول العثماني من الدردنيل لمنازلة الأسطول اليوناني، وألحق الأول بالثاني خسائر مهمة، لكنه لم يتمكن من غلبة ظاهرة، فرجع إلى الدردنيل محتميا بالحصون.
وكان حسين رؤوف بك يومئذ قائدا لبارجة اسمها «حميدية » فأشار بالكرة على الأسطول اليوناني فلم يقبلوا كلامه، فخرج وحده ببارجته حميدية واخترق نطاق الحصر اليوناني، وجاء إلى بلاد اليونان ودمر مينا «سيرا» وأغرق عدة بوارج لليونان، وعجز الأسطول اليوناني عن مطاردته ولكنه كان يتجنب الانتظار في مكان واحد خوفا من أن تجتمع قوة اليونان البحرية عليه. فكان ينتقل من مكان إلى آخر، وكلما صادف لليونان سفينة أغرقها. وقد أخبرني هو أنه كان ذهب إلى مسرى مالطة ونزل إلى البر، ودعاه القائد الإنجليزي واحتفى به، وبينما هو على مائدته أخبروه بأن عدة سفن حربية لليونان وصلت على مقربة من مالطة تترصد خروجه لأجل الإيقاع بحميدية، وقال لي: إنه لم يعتقد تلك المرة إمكان النجاة لأنه بسفينة واحدة لا يقدر أن يتغلب على عدة سفن، وإن كان يمكنه أن يدمر بعضها فخرج من مالطة متوجسا الخوف وسار ببارجته أمام البوارج اليونانية ولم يجرأوا أن يتعرضوا له!.
ورؤوف بك هذا هو الذي صار فيما بعد ناظرا للبحرية في أيام الحرب العامة، ثم بعد الحرب العامة كان من أكبر رجال تركيا الذين نهضوا بها، وقاوموا معاهدة «سيفر» ونظموا المقاومة العسكرية في الأناضول، وبعد استقلال تركيا تولى رئاسة الوزارة في أنقرة، ولكنه لم يوافق مصطفى كمال على سياسته الداخلية وخروجه على قواعد الإسلام، فاختلفا وأدى الأمر إلى مغادرته تركيا، فأقام في فرنسا عدة سنوات ذهب في خلالها إلى الهند، ثم في هذه السنة 1935 دعته الحكومة التركية إلى العودة وألحوا عليه فأجاب الدعوة، ولكن على شرط أن يبقى بعيدا عن السياسة.