تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أغرب الأمور أنه بقدر ما استخف الأتراك بالعدو في البداية، وقع فيهم الرعب بعد أن حلت بهم الهزيمة الأولى فنكصوا جميعهم إلى «شطلجة». ولما علمت الجيوش العثمانية التي في تراقية الغربية وفي مكدونية بالهزيمة التي وقعت في تراقية الشرقية، فانكسر أمام السربيين في «بورنيفو» وفي «قوصوه» وفي «كومانوفو» وهي هزيمة كان أكثر السبب فيها أن عصائب الأرناؤوط في أثناء المعركة انسلت من ميدان القتال مدبرة فوقع الفشل في الجيش كله. وصارت المعارك هناك عبارة عن سلسلة هزائم، تتلوا إحداها الأخرى بدون أن يوفق الترك في معركة واحدة إلا ما ندر فسقطت المراكز التركية المهمة مثل قوصوه، ومناستر، وأسكوب، وجميع البلاد التي تتبعها، وكل هذا بين 23 أكتوبر و18 نوفمبر. ولو قيل إنه لم تقع مع تركيا حرب أشأم من هذه الحرب من أول الدهر إلى ذلك الوقت لم تكن في هذا القول مبالغة. وكان القائد الوحيد الذي حفظ جيشه هو جاويد باشا، فإنه لولا انهزام عصائب الأرناؤوط في واقعة «كومانوفو» مع السربيين لكانت الغلبة في تلك الوقعة للترك، وكان الخبر وصل إلى الأستانة بأن السرب انهزموا فيها انهزاما نهائيا، ولكن المعركة انتهت بعكس ما ابتدأت. وكان جاويد باشا هزم اليونان في إحدى الوقائع، وتمكن من اللحاق ببلاد الأرناؤوط مع جيشه، إلا أن الأرناؤوط كانوا عندما رأوا هزيمة العثمانيين قد فصلوا أنفسهم عن الدولة، وأسسوا في «فالونة» حكومة مؤقتة بمساعدة النمسا وإيطاليا.

وأما من جهة الجيش اليوناني فإنه لم يكن أمامه إلا قوة تركية ضئيلة، فكان الجيش اليوناني يتقدم إلى الأمام قاصدا سلانيك، كان تحت قيادة ولي عهد اليونان ستون ألف جندي يقابلها 25 ألفا من الأتراك، ولكن الترك ثبتوا برغم قلة عددهم ثباتا عظيما ثم تقهقروا إلى الوراء لأن السربيين والبلغار كانوا اتصلوا باليونان، واضطر تحسين باشا إلى تسليم «سلانيك» لهؤلاء. وكان جاويد باشا تغلب على اليونان في وقعة «سيروفيتسش» التي استمرت يومين وانتهت بهزيمة اليونان في 5 نوفمبر، إلا أنه وردت إمدادات عظيمة لليونان فتمكن بها ولي العهد اليوناني من الإقبال بعد الإدبار. فتراجع جاويد باشا إلى «مناستر» وهناك هاجمه السربيون وجرت وقائع بين بقايا الجيوش العثمانية والسربيين واليونانيين والبلغار لم يقدر الترك أن ينالوا فيها كلها خيرا بعد أن انخذلت قواهم المعنوية، وتقطع ما بينهم، لأن البلغار كانوا استولوا على «ديموطقه» فقطعوا ما بين الأستانة وبين مكدونية، واستولى الذعر على الدولة نفسها في الأستانة فأصبح رجالها لا يعلمون ماذا يفعلون، وكان عندهم جيوش كثيرة في المملكة لا تزال في أراضيها، وإنما كانوا في جمود تام بسبب الفشل غير المنتظر، فلم يفكروا في استجماع قواهم. وكانت الإدارة أشه بالفوضى، وقد رأينا ذلك بأعيننا، وكان الهلال الأحمر المذكور بأن انضم إليهما مفتشا ثالثا، كما أن لجنة الإعانة المصرية التي يرأسها الأمير «عمر طوسون» كلفتنا بتوزيع الإعانات على مهاجري المسلمين الذين فروا من الرومللي إلى الأستانة بعد انهزام الجيوش العثمانية، فكنا نحن الثلاثة المفتشين مضطرين أن نتصل برجال الدولة كل يوم لأجل تسهيل مهمة الهلال الأحمر، ومهمة توزيع الإعانات على المهاجرين، فشاهدنا من آثار الفوضى في الإدارة ما لا يصدقه العقل، وذهبنا في نهار جمعة إلى نظارة الحربية للمراجعة بمصالح مستعجلة فلم نجد في نظارة الحربية أحدا وقيل لنا: أفلا تعلمون أن دوائر الحكومة لا تشتغل نهار الجمعة! فقلت : كلا! إن الدولة التي يحل بها من المصائب ما حل بها هذه المرة لا يحق لدوائرها أن تتمتع براحة يوم الجمعة! نعم عندما كنا نذهب إلى الباب العالي كنا نجد كامل باشا الصدر الأعظم دائما حاضرا، وكنا دائما نراجعه في أيام الجمعة أيضا، وكان يبيت في الباب العالي بقرب مكتبه برغم علو سنه. وجاءنا مرة الخبر بأن أربعة آلاف عسكري في سان استفانو قد أصيب أكثرهم بالكوليرة، لأن من جملة مصائب الدولة في هذه الحرب أن الكوليرة تفشت في عساكرها تفشيا فظيعا، وفتكت بهم فتكا ذريعا فقيل لنا إن هؤلاء العساكر الذين في سان استفانو على مقربة من الأستانة مطروحون بالعراء بدون خيام ولا بيوت يأوون إليها! وكان ذلك في وسط زمهرير الشتاء، فذهبنا أنا ورفاقي إلى كامل باشا وأخبرناه بالخبر، وروينا له ما سمعناه من أن نصف هؤلاء الجند قد ماتوا، وأن رفاقهم جالسون إلى جانبهم في انتظار الموت، فأعطى الأوامر اللازمة إلى الحربية حتى يرسلوا إلى سان استفانو الأطباء والممرضين وجميع اللوازم لأجل معالجة هذه الحالة، ولكننا ثاني يوم لحظنا أنه لم يحصل شيء، فقلت لزملائي: إن كنتم تنتظرون في أثناء هذه الفوضى إغاثة الدولة لهؤلاء العسكر فاعلموا أنه لا يذهب إلى هناك أحد من الأطباء والممرضين حتى يكون العسكر قد قضوا نحبهم جميعا، وعليه يجب أن نبادر نحن بالعمل، فأرسلنا في اليوم نفسه النجارين وحملوا الأخشاب اللازمة وبنوا للعساكر بيوت الخشب، وأرسلنا إليها الأسرة والأغطية اللازمة، والأطباء والمحللين والأدوية، وكل هذا تم في ثلاثة أيام، وبعد ذلك جاء المأمورون العثمانيون فوجدوا كل شيء خالصا، وعلى هذا يمكن أن يقاس غيره.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٧