تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصار الجيش العثماني بعد إعلان الدستور أشبه بجيش الانكشارية القديم في الفوضى، فهذه الفرقة تخرج عن الطاقة وتنحاز إلى العصاة مثلا، وهذه الجمعية من ضباط الجيش تطلب إسقاط الحكومة وحل المجلس، وهذه الفرقة الأخرى تهجم على مجلس الأمة وتسفك دماء بعض المبعوثين وبعض النظار بتحريك خفي من رجال السياسة، وكم وقع من قتل جنود لضباطهم، وعصيان ضباط على قوادهم.

نعم أن فون غولتس باشا الألماني كان هو والضباط الذين معه أصلحوا كثيرا من حالة الجيش في تركيا، ولكن السلطان عبد الحميد كان يمنع التمرينات العسكرية خوفا على نفسه، وكانت هناك مصالح ضرورية للجيش، وكانت هي بغاية الإهمال وهي مثل مصلحة الإعاشة. ومصلحة الصحة، ومصلحة إركاب العساكر في السكك الحديدية، وغير ذلك مما لا غنى عنه في الجيوش العصرية. وأضف إلى كل هذه النواقص أن الدولة في حرب البلقان احتقرت البلقانيين أشد الاحتقار، وظنت أنها في شهر من الزمن تمزق شملهم كل ممزق، حتى أن ناظم باشا ناظر الحربية أعلن الضباط وجوب أخذهم ألبستهم الرسمية إلى ميدان القتال، حتى إذا دخلوا صوفيا وبلغراد وأثينا ووقع عرض الجيش يكونون بألبستهم الرسمية، كأن أمر الظفر عنده كان لا يتطرق إليه الشك، وهذا أشبه بزبيدة أم الأمين عندما أعطت قائد جيش ولدها قيدا من فضة وقالت له: إن المأمون هو من أولاد الخلفاء، ومتى وقع في يدك فلا يصح أن تقيده كما تقيد سائر الأسرى «أي بالحديد» فأنا أعطيك هذا القيد من الفضة لتقيده به، عندما يقع في الأسر. فكان من الأمر أن المأمون هو الذي قهر الأمين وأخذ منه الخلافة، ثم قتل الأمين في المعمعة. ثم بناء على هذا الاستخفاف لم تستنفر الدولة الجيوش التي لها في سورية، ولا في العراق، ولا في شرقي الأناضول حيث كانت تخشى ثورة من جهة الأرمن، فاقتصرت على جيش الرومللي وعساكر قسم ممن الأناضول. ولم يكن جيش الرومللي كله ليجتمع، لأن الأرناؤوط كانوا في حال ثورة ولم يقاتلوا في هذه الحرب إلا قتال عصائب، وبهذا كان عدد الجيوش البلقانية أعظم من عدد الجيش العثماني، ففي كل من الساحات الثلاث أي ساحة تراقية الشرقية أمام البلغار، وساحة مكدونية العليا أمام السرب، وساحة سلانيك أمام اليونان، كان الجيش العثماني أقل عددا وأقل معدات من أعدائه. وفي 18 أكتوبر زحف البلغار لأخذ أدرنة فلم يتمكنوا من ذلك، ولكنهم ظهروا على الأتراك في ناحية طونجة. وكان عبد الله باشا في 20 و21 أكتوبر أعطى الأمر بالهجوم بدون أن يؤمن خطا للرجعة، فارتكب في ذلك خطأ حربيا ظهرت نتيجته حالا. وفي 22 أكتوبر تلاقت الفرقة السادسة من الجيش الرابع العثماني مع فرقة من الجيش الأول فلم تعرف إحداهما الأخرى وترامتا بالنيران، إذ كل فرقة منهما كانت تظن أنها بإزاء البلغار. فمن أول الحرب ظهر سوء القيادة في الجيش العثماني.

وكان محمود مختار باشا قائدا لشطر الجيش الثالث وهو ثابت في مركزه، وإذا بالبلغار يهجمون على الجيش الذي على جناحه الأيسر هجوما فجائيا ضعضع الأتراك فانهزموا، فحاول محمود مختار أن يصد البلغار ويتوقف الهزيمة ولكن كان الجنرال البلغاري ديمتريف جاء بدون أن يشعر به الأتراك أصلا فهاجم الجيش الذي على يمين محمود مختار، فاضطر محمود مختار إلى التقهقر فانهزم العسكر العثماني إلى قرق كليسة وهو الجيش الرابع، ثم الجيش الثالث، ثم حاول الجيش الأول أن يهاجم البلغار ليوقف الهزيمة فلم يقدر على شيء بل تقهقر هو أيضا. وكل هذا من عدم وحدة القيادة، وعدم وجود خطة حربية مقررة. فكل فرقة وكل جيش من الأتراك كان يقاتل بدون أدنى صلة مع رفاقه، ولا علم له بما عليه سائر الجيوش العثمانية. لأن الأتراك فكروا أنه لا يلزم لهم إلا أن يقابلوا البلغار في أي مكان كان، وفي أي وقت كان، حتى يولى هؤلاء الأدبار، فمن شدة استخافهم بالعدو تغلب عليهم العدو. ولما تقهقر عبد الله باشا بجيوشه قسم منها إلى جهة «فيزة» والقسم الآخر إلى لولى بورغاز، لم يكن بين القسمين أدنى صلة، ولا كان الواحد يعرف ما عند الآخر ، ومحمود مختار باشا هو القائد الوحيد الذي كان مالكا حركة جيشه، بحيث عندما التزم إلى التقهقر تقهقر بانتظام حقيقي. وكان ناظم باشا ذهب بنفسه ليتولى القيادة العامة، وناجز البلغار القتال في «لولي بورغاز» «وقره أغاتش». وزحف محمود مختار باشا مهاجما للعدو على ظن أن عبد الله باشا يتمكن من نجدته بالجيش الأول والجيش الثاني، فتمكن محمود مختار من أن يشطر فرقة الجنرال خريستوف إلى شطرين، إلا أنه كانت ودرت نجدات عظيمة للبلغار، وفي الوقت نفسه انهزم الجيش الثاني العثماني، فلم يقدر محمود مختار أن يتمم خطته بسبب الفشل الذي حل بسائر القواد، لكنه بقي ثابتا في مركزه. فأمر ناظم باشا القائد العام بتراجع القوات كلها إلى «شركس كوى» فتراجعت كلها ومن الجملة جيش محمود مختار.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٦