تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا وقد كان السعي في جمع كلمة الدول البلقانية الأربع قديما. وسنة 1888 قدم أمير الجبل الأسود نيقولا لائحة إلى قيصر الروسيا تتضمن وجوب تحالف هذه الدول ضد تركيا تحت حماية القيصر، وسنة 1893 صارت مكالمة بين اليونان والبلغار في هذا الصدد ولكن لم تسفر عن نتيجة، ثم إن البلغار والسربيين اتفقوا على ذلك وبقي الخلاف بين السرب والجبل الأسود، فتوسط البلغار بين الفريقين ومهدوا العقبات فبقي ناقصا دخول اليونان في الاتحاد، فالذين من اليونان قاموا بالسعي الحثيث للائتلاف مع البلغار برغم ما كان بين الفريقين من نقط الخلاف هم «باناس» سفير اليونان في صوفيا، و«فنزيلوس» رئيس نظار اليونان. وكان إهمال الاتحاديين للسهر على هذه المسألة من جملة أسباب اتفاق البلقانيين، حتى أنه لما علم السلطان عبد الحميد المخلوع بخبر الاتحاد البلقاني هذا هز برأسه وقال: كم من مرة أوشك هذا الاتحاد أن ينعقد وسعيت كل سعي حتى منعته! قال هذا عندما جاؤا ينقلونه من سلانيك إلى الأستانة، فسأل عن السبب فقالوا له: إن دول البلقان الأربع تحالفن على تركيا والحرب قريبة الوقوع. وفي 13 مارس سنة 1912 انعقدت أول محالفة بين السرب والبلغار ضد تركيا. وفي 29 مايو من السنة نفسها انعقدت المحالفة بين البلغار واليونان، ولكن الأولى كان أمدها ست سنوات، أما الثانية فكانت لثلاث سنوات. وفي 5 أكتوبر من تلك السنة ذهب «دانف» رئيس مجلس النواب البلغاري على «ليفادية» في القريم فأخبر القيصر الروسي والمسيو سازونوف ناظر خارجيته بانعقاد جميع المحالفات اللازمة بين البلقانيين، وانحلال جميع العقد التي كانت تفرق بينهم، لأن القيصر كان هو الحكم في ما إذا اختلفوا. وفي ذلك الوقت كانت ثورة الأرناؤوط أجبرت الدولة العثمانية على منح الارناؤوط بعض امتيازات رآها البلقانيون مضرة بهم، فلما تحققت الدول أن الحرب بين البلقانيين وتركيا واقعة لا محالة، توسطت النمسا في الخلاف تفاديا للحرب وذلك على أساس إدخال الإصلاحات في بلاد الرومللي، وأن تكون هذه الإصلاحات تحت إشراف لجنة دولية.

وبينما الدول في المذاكرة حتى تمنع الحرب، إذا بأمير الجبل الأسود يعلن الحرب على تركيا في 8 أكتوبر سنة 1912 وفي 13 منه عالنت الدول الثلاث اليونان والسرب والبلغار الدولة العثمانية طلب الإصلاحات في الرومللي بحسب المادة 23 من معاهدة برلين، وطلبت تفريق العساكر العثمانية المرابطة في الرومللي. وكانت مذكرة هذه الدول في شكلها غير مقبولة، فلم يبق أمام تركيا سوى إعلان الحرب. ولكن كامل باشا كان يرجو فصل اليونان عن الاتحاد البلقاني بالنزول لهم عن جزيرة كريت، فذهب سعيه سدى لأن فنزيلوس أبى بتاتا أن ينفصل عن حلفائه فنشبت إذا الحرب.

وكان البلغار مستعدين للقتال من زمن طويل، فزحفوا بمائتين وخمسين ألف مقاتل من أحسن الجيوش تدريبا، وأكملهم عدة، ولم يكن عند الدولة جيش متقن التدريب كهذا الجيش، بل كان من أغلاط السلطان عبد الحميد التي لا يمكن التماري فيها منع التمرينات العسكرية خوفا من انتفاض الجيش عليه، واستمر هذا طول مدة سلطنته. فالعسكر الممرن الذي كان في زمن عمه السلطان عبد العزيز، والذي يمثله انتصر عثمان باشا على الروس في باثمنة، وأحمد مختار باشا في القوقاس، ذهب ولم يقم مقامه عسكر آخر مثله. فجميع العسكر في زمن عبد الحميد لم يكن يعرف شيئا من التمرينات التي كانت في زمن عمه، فكان الفرق إذا كبيرا بينه وبين العساكر البلقانية. ولما جاء الاتحاديون وخلعوا السلطان عبد الحميد أرادوا إصلاح الجيش بعملية سموها عملية التصفية، فأخرجوا إلى التقاعد جميع الضباط القدماء المجربين ووضعوا مكانهم شبانا خالين من التجربة، وبعبارة أخرى انحل الجيش القديم ولم يمض الوقت الكافي حتى يتكون جيش جديد. ومن جملة أسباب الضرر الذي وقع هو اشتغال ضباط الجيش بالسياسة، وانصرافهم عن واجباتهم على إحداث القلق في المملكة، والانتصار لفئة على فئة مما يجب أن ينزه الجيش عنه.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٥