تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى كل حال فبعد أن تقرر إخراج الدولة العثمانية من أوروبا وجب أن يعطى الأرناؤوط البلدان التي هم فيها أكثرية السكان وهي، ولايات يانيا، واشقودرة وقوصوه، ومنستر، لاسيما أن الأتراك المسلمين كانوا بعد خروج الدولة العثمانية من الرومللي يفضلون الانضمام إلى الأرناؤوط حتى يتخلصوا من حكم البلغار واليونان والسرب فالذي حصل في مؤتمر لندرة بعد الحرب البلقانية بتأثير الروسيا، ومساعدة فرنسا لها لم يكن مطابقا لحقوق الأمم من الجهة التي يقال لها «الاتنوغرافية» بل بشدة إلحاح النمسا، وموافقة إيطاليا جعلوا بلاد الأرناؤوط المستقلة عبارة عن ولايتي يانيا وشقودرة وألحقوا منهما شيئا للجبل الأسود، وشيئا لليونان، وكل الذي بقي للمملكة المستقلة لا يزيد عدد سكانه على مليون واحد. والحال أن جنوبي يوغوسلافيا لاسيما ولاية قصوه مأهول بالأرناؤوط، فلذلك يوجد الآن من الأرناؤوط ضمن مملكة يوغسلافيا وعلى حدود ألبانيا أكثر مما يوجد في ألبانيا نفسها!! وهذه من المسائل التي لم تصب فيها الدول، وإنما كان الإعوجاج فيها هو بسبب تعصب الروسيا للسربيين. وستكون هذه من أسباب تجدد الحروب في شبه جزيرة البلقان.

ولما كان الاختلاف شديدا بين العناصر المسيحية في البلقان الرومي والسلافي والبلغاري، ففي زمن السلطان عبد الحميد سعت الروسيا كثيرا في التأليف بينهم حتى يتمكنوا من إخراج الدولة العثمانية من هناك، ولكن السلطان عبد الحميد بدهائه ويقظته كان دائما يمنع الاتفاق بينهم، ويستميل هذا العنصر تارة، وذاك العنصر أخرى. أما جمعية الاتحاد والترقي فاغترت بقوتها وظنت أن إعلان الدستور قد نفى كل خطر عن السلطنة، ونامت عن مراقبة السياسة الخارجية، بل بلغ غرور بعض أعضائها في أول الأمر أن اعتقدوا حركات البلغار واليونان والسربيين لخلع الحكم العثماني إنما السائق فيها مجرد سوء الإدارة العثمانية، وأنه لو اصطلحت الإدارة العثمانية لأخلد هؤلاء إلى السكون! وحقيقة الحال أن هؤلاء لم يكونوا براجعين عن حركاتهم حتى يطردوا الأتراك من شبه جزيرة البلقان، وأن المسألة عندهم تاريخية محضة لا تعلق لها بالإدارة في حسنها وعدمه. فهذه البلاد لم يكن فيها مسلمون قبل السلطان مراد الأول، فيجب أن تخلوا تماما من المسلمين مرة ثانية. هذه هي فكرتهم الحقيقية وأوروبا كلها تميل إلى هذه الفكرة، ولما افتتح البلقانيون سلانيك قال أحد وزراء الإنجليز: لا يمكننا إلا أن نفرح باسترجاع المسيحيين للبلدة التي بها ابتدأ انتشار النصرانية.

وإذا رجعنا إلى الحقائق نرى أن الحرب الصليبية وإن كانت غير مستمرة إلى اليوم تحت هذا الاسم كما كانت في القرون الوسطى، فهي مستمرة بالفعل، بالروح نفسها وإن كان قد تغير الاسم! وكل بلاد وجدت تحت حكم المسيحيين في الغابر تجتهد الدول الأوروبية في إخراجها من تحت حكم المسلمين ولو كان مضى على ذلك بضعة عشر قرنا، أي أن الأندلس تمثل في كثير من البلدان وليست هي منحصرة في أسبانيا، فالمسلمون ليس لهم إلا القوة ليحافظوا على أنفسهم، ولما كانت الدولة العثمانية قوية تغلبت ليس على بلاد اليونان والبلغار والسرب فقط، بل على بلاد رومانيا، والمجر، وخرواطية، وقسم من بولونيا، وحاصرت فينا مرتين. فلما حل بها الضعف صارت تتقلص شيئا إلى الجنوب حتى لم يبق لها في أوائل هذا القرن غير الولايات الست التي تقدم ذكرها، ولم يكن من المأمول أن تحفظها إلا بالقوة القاهرة.

حدثني حسين حلمي باشا الصدر الأعظم السابق وهو الذي كان مفتشا عاما للولايات المذكورة يوم أعلن الدستور العثماني أن السر أدوارد غراي ناظر الخارجية الإنجليزية المشهور سأله: ألا يوجد طريقة تنحل بها مشكلات مكدونية؟ فأجابه: نعم يوجد طريقة وهي أن يكون عندنا نحن الأتراك القوة اللازمة لكسر البلغار واليونان، والسربيين، والجبل الأسود في وقت واحد، وليس من طريقة غير هذه.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٤