تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان البلقانيون أكثر الأحيان مختلفين بعضهم مع بعض، نعني بذلك البلغار واليونان، والسرب، وذلك لأن مكدونية التي يقول لها الترك الرومللي فيها من جميع هذه الأجناس، فالبلغار يدعون أنها يجب أن تكون لهم، واليونان يحتجون بأن الأكثرية في سلانيك ونواحيها وتراقيا هي للجنس الرومي، والسربيون يحتجون بأن الأكثرية في شمالي مكدونية هي لهم، وكل فئة تعزز دعواها بأدلة. ولم يكونوا يفكرون بشيء من حقوق المسلمين هناك، مع أن المسلمين في ألبانيا ومكدونية كانوا أكثر من نصف السكان! وكانت للدولة في أوروبا ست ولايات، الأولى ولاية أدرنة الواقعة على البحر الأسود ممتدة من ضواحي الأستانة إلى حدود البلغار، والثانية ولاية سلانيك التي يتبعها أكثر مكدونية، والثالثة ولاية قوصوه التي هي الآن من ضمن مملكة يوغوسلافيا، والرابعة ولاية منستر الواقعة بين يوغوسلافيا وبلاد اليونان والخامسة ولاية يانيا من جنوبي بلاد الارناؤوط، والسادسة ولاية شقودرة في شمالي بلاد الأرناؤوط. وكان عدد المسلمين في هذه الولايات الست من أرناؤوط وترك وبوماق - وهم نوع من البلغار دينهم الإسلام ولغتهم البلغارية - ومهاجرين يزيدون على عدد النصارى بقليل. فلم يكن للبلقانيين حق في ادعاء تقسيم هذه البلاد فيما بينهم لاسيما وقد كانوا هم أنفسهم غير متفقين في التقسيم، وكل فئة تريد أن تأخذ حصة الأخرى، ولكن ضعف الدولة العثمانية وتكالب الدول الأوروبية عليها من كل جهة أوسعا مطامع البلقانيين حتى أصبحوا لا يفكرون في شيء سوى طرد الأتراك من أوروبا تماما، بحجة أنهم طارئون على أوروبا من آسيا، وأنهم لم يكونوا ذوي ملك في شبه جزيرة البلقان قبل القرن الرابع عشر للمسيح. ثم إن البلقانيين كانوا يعلمون أن الأتراك في حال تغلبهم عليهم لا يقدرون أن ينالوا منهم شيئا، ولا أن يفتحوا من بلدانهم بلدا بخلاف ما لو تغلبواهم على الأتراك فإنهم حينئذ يقدرون أن ينالوا كل ما يريدون، وذلك عملا بقاعدة إن ما يؤخذ من الهلال للصليب لا تمكن إعادته للهلال، وأن ما يؤخذ من الصليب للهلال فلابد من أن يرجع إلى مكانه. وهذه القاعدة متفق عليها في أوروبا تطبقها أوروبا بقدر إمكانها، والبلقانيون يعلمونها. وفي بداية الحرب البلقانية كان في ظن الدول الأوروبية أن تركيا تتغلب على البلغار والسرب واليونان والبل الأسود، فأرسل المسيو بوإنكاره - وهو يومئذ رئيس نظار فرنسا - مذكرة إلى تركيا وإلى الدول البلقانية المتحالفة عليها، يبلغ الجميع بأنها إذا حصلت حرب بين الفريقين فالدول لا تسمح للفريق الغالب أن يأخذ شيئا من الفريق المغلوب. وقد كتب بوإنكاره هذا تزميدا للفريقين في الحرب، وكان مرجحا عنده أن دول البلقان لا يقدرون على تركيا، فلما وقعت الواقعة وانهزمت تركيا في هذه الحرب بما كان فيها من الشقاق المستمر الذي صرف نظرها عن الاحتياط لحفظ ثغورها، نسى بوإنكاره بلاغه هذا الرسمي الذي كتبه باسم الدول، وكان من جملة المساعدين للبلغار واليونان والسرب على اقتسام تركية أوروبا. وكان مراد الدول - لاسيما إنجلترا وفرنسا والروسيا - إلحاق ألبانيا أيضا بمكدونية وإعطاء جنوبيها لليونان، وشماليها للسرب، لولا معارضة النمسا وإيطاليا في ذلك. فالنمسا كانت دائما تجتهد في منع اتساع مملكة السرب، وقد كان هذا من أكبر عوامل الحرب العامة، وإيطالي نفسها كان من مصلحتها حفظ ألبانيا للأرناؤوط، فلذلك بعد الحرب البلقانية وافقت الدول على تأسيس استقلال خاص لألبانيا، ولكن بعد شدة عظيمة كادت النمسا فيها تقتتل مع الروسيا، غير أنهم ظلموا الأرناؤوط أيضا إذ أن هذه الأمة تبلغ نحوا من ثلاثة ملايين يسكنون على ساحل بحر الأدرياتيك بين الجبل الأسود من الشمال، واليونان من الجنوب، ومكدونية من الشرق، وهم كتلة واحدة كلهم أرناؤوط، ولسانهم هو اللسان الأرناؤوطي، وإن كان الثلثان منهم مسلمين، والثلث الثالث كاثوليكيين وأرثوذكسيين.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٣