تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالاختصار أرسلت الدولة نابي ك، وفخر الدين بك إلى سويسرا حيث اجتمعا مع برتوليني وفولبي معتمدي إيطاليا وباشرا مذاكرات الصلح، وانتهى الأمر بأن الدولة تترك سيادتها على طرابلس لأهاليها، وتنصح لهم بالائتلاف مع إيطاليا، وأن إيطاليا تعفو عن جميع الذين قاوموها في طرابلس من الأهالي، والعساكر التي للدولة في طرابلس يخرجون منها، كما أن العساكر الإيطاليا تجلو أيضا عن رودوس، وجزر الأرخبيل التي احتلتها.

وكان أيضا من جملة الشروط أن تبقى طرابلس مرتبطة بالدولة من الجهة الدينية فالسلطان يبقى هو الخليفة الأعظم في نظر الطرابلسيين، ويدعى له على المنابر، ويكون للسلطان وكيل في طرابلس يقال له نائب السلطان، وقد تعين بعد الاتفاق شمس الدين باشا لهذا المنصب، ومعه يوسف بك شتوان مستشارا.

وكانت وزارة سعيد باشا قد شعرت بأن المجلس لا يمشي معها في قضية الصلح مع إيطاليا، لا سيما بعد أن جاء يوسف بك شتوان وخطب في مجلس المبعوثين خطابا مآله أن الحالة الحربية هي في طرابلس مرضية جدا لا تؤذن بأدنى خطر، وأنه لا خوف على الدولة إلا من الشقاق الداخلي، فتحمس المبعوثون وآلوا بعدم الموافقة على الصلح وكان الصدر العظم بدأ يشعر بقرب الحرب البلقانية، ويرى أنه لابد من عقد الصلح مع إيطاليا، وكان المجلس لا يزال في شقاق بعيد بين الأحزاب، فأقنع سعيد باشا السلطان بحل مجلس المبعوثين حتى يتسنى للحكومة أن تمضي في سياستها، وكان للسلطان حق في حل مجلس النواب بموافقة مجلس الأعيان على شرط مباشرة الانتخابات لانعقاد المجلس الجديد، فصدر الأمر بحل المجلس وانتخب مجلس جديد، وما كاد ينعقد المجلس حتى جاءت الأخبار بأن الأرناؤوط استأنفوا الثورة، واتفقوا هذه المرة مسلمين وكاثوليكيين وأرثوذكسيين يدا واحدة في وجه الدولة، وعلى رأسهم إسماعيل بك مبعوث برات، ونجيب دراغه مبعوث درشتنه، وبصري بك مبعوث دبره وحسن بك، ويحيى بك، وغيرهم. وانضم إليهم أيضا ضباط أرناؤوط من ضباط الجيش العثماني، وعقد هؤلاء الأرناؤوط اجتماعا حضره 86 من رجالاتهم، وقرروا طلب حل المجلس الجديد وعزل الاتحاديين الذين في الحكومة مثل محمود شوكت باشا ناظر الحربية، وطلعت بك ناظر البوسطة والتلغراف، وجاويد بك ناظر الأشغال النافعة، فاشتد الخطب على الدولة، واستعفى محمود شوكت باشا وظهر أن الاتحاديين أصبحوا بعد ثورة ألبانيا يخشون تحمل المسئولية، فصار الصدر الأعظم سعيد باشا يعرض نظارة الحربية على المقتدرين فلا يقبلها أحد منهم، فاختار الاستعفاء. فانتدب السلطان لتأليف الوزارة الغازي مختار باشا المشهور.

وكانت تألفت في الأستانة جمعية عسكرية يقال لها جمعية «الخلاص كاران» فوزعت منشورا تطلب فيه تبديل الحكومة، ومنع الأشخاص غير المسئولين من التدخل في أمور الدولة، وتقترح حل المجلس وانتخاب مجلس آخر بتمام الحرية وكانت الحكومة تريد سن قانون يمنع رجال العسكرية من التدخل في السياسة فهذه الجمعية أعلنت أن رجال العسكرية لا يمتنعون عن التدخل في السياسة إلا بعد قبول هذه المطالب. فقرئ هذا المنشور في المجلس وأثار حركة شديدة، وأقسم المبعوثون بأنهم لا يتركون كراسيهم إلا موتى، وطلبوا من الحكومة التحقيق عن الجمعية التي وزعت هذا المنشور، فجاء الصدر الأعظم مختار باشا ومعه ناظم باشا ناظر الحربية الجديد وطمأنا خواطر المبعوثين، وتعهد ناظم باشا بإعادة النظام إلى الجيش كما كان تلا الصدر الأعظم برنامج الوزارة الجديدة وفيه منع الضباط من الاشتغال بالسياسة ومنع المأمورين من التدخل في أمور الانتخابات، والتقيد بالقوانين الموضوعة في أمر تعيين المأمورين، وغير ذلك. وأما من جهة الصلح مع إيطاليا فلم تعلن الوزارة شيئا، ثم وقع الخلاف في المجلس على قضية حق السلطان في حل المجلس وعدمه وكان الاتحاديون الذين لهم الأكثرية في المجلس يريدون إعطاء هذا الحق للسلطان على شروط كان يناقشهم فيها خصومهم حزب الحرية والائتلاف، وكان هذا الحزب يرأسه لطفي فكري، فاشتد الجدل بين الفريقين، وفي أثناء ذلك كانت ثورة الأرناؤوط تتفاقم يوما فيوما، ثم بدأ الشقاق بين أعضاء الوزارة نفسها، وانتدب مختار باشا الصدر السابق فريد باشا الأرناؤوطي لأجل نظارة الداخلية، وحسين حلمي باشا الصدر السابق أيضا لنظارة العدلية، فأبى فريد باشا الدخول في الوزارة، ودخل حسين حلمي باشا ولكنه اضطر بعد قليل إلى الاستعفاء، وازداد تحرج مركز الحكومة التي كانت ترى ازدياد مشكلاتها في الداخل والخارج، وبينما ثائرة الأرناؤوط تتوقد إذا بعصائب البلغار في مقدونية - أي الرومللي - رجعت إلى العمل، وأخذت بنسف السكك الحديدية ثم في نهار العيد انفجرت قنبرة في «جامع أشتب» وجرح بها أناس كثيرون، فثار المسلمون وأوقعوا بكثير من البلغار، ثم حصلت حوادث من هذا القبيل في ولاية «أسكوب» فانتقم المسلمون أيضا بقتل عدد من البلغار، وأهم حادثة هي التي وقعت في «كوتشانة» في أول أغسطس سنة 1912، فإنه كان قد وضع البلغار قنابر في السوق فانفجرت وقتلت عددا من المسلمين، فأوقع المسلمون بالبلغار، وقيل إنهم قتلوا منهم 150 شخصا، وهكذا استمرت الحوادث مدةطويلة، فعصائب البلغار تلقي القنابر الديناميتية في الأسواق والمجامع عمدا لأجل إثارة المسلمين حتى ينتقموا من المسيحيين، وتضطر الدول المسيحية للتدخل فتنسلخ مكدونية عن تركيا، وهذا على نمط حركات الأرمن.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨٢