تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما طال القتال في طرابلس على غير نتيجة لإيطاليا، أخذت هذه تفك في إشعال الحرب على تركيا في أمكنة أخرى، فأما الدردنيل فكانت الدولة قد بادرت بتحكيمه ووضعت فيه أربعين ألف عسكري فلم يجرأ الأسطول الطلياني أن يقتحمه حذرا من الدمار، ولكنه احتل موقعا من جزيرة لمنى.

ثم ذهب فدمر نسافتين من الأسطول العثماني كانتا في بيروت، ولما لم يجد الطليان فائدة من هذه التهويلات أجمعوا احتلال جزيرة رودوس وبقي مع ذلك العثمانيين مصممين على القتال، وكان فريق من الترك يود في الباطن مصالحة إيطاليا على طرابلس تخلصا من الأخطار التي كان يخشى منها على الدولة باستمرار الحرب، إلا أنهم خافوا هيجان العرب والعالم الإسلامي فيما إذا تخلوا عن طرابلس، ولم يكن مساعدا لإيطاليا يومئذ حسب زعم الطليان سوى الخديوي بالسبب الذي تقدم ذكره وقد أشار إلى ذلك جيلوتي رئيس نظار إيطاليا السابق، وذلك في مذكراته المطبوعة التي يذكر فيها تاريخ حياته، فصرح بأن عباس حلمي خديوي مصر كان من أول حرب طرابلس إلى آخرها مساعدا لإيطاليا بما أمكنه من الوسائل، بحجة أن جده إسماعيل باشا عندما خلع من إمارة مصر وسكن في نابولي خشت الحكومة الإيطاليا معاملته! ولما أطلع الأتراك على هذا الكتاب بعد الحرب العامة، وكان جيولتي نشره قبل ذلك ببضع سنوات كان لذلك وقع سيئ لديهم، وطعنت جرائدهم في الخديوي السابق طعنا شديدا.

فالدولة كانت إذا لا تجرأ على التخلي عن طرابلس حتى بعد احتلال رودوس وكان الطليان أصبحوا في حيص بيص من تمادي هذه الحرب التي كلفتهم مبالغ طائلة من المال «منذ عشر سنوات كانت إيطاليا أحصت خسائرها المالية على طرابلس بثلاث مئة مليون من الجنيهات» وعشرات ألوف من الرجال، فحدثتها نفسها أخيرا باحتلال بلاد الرومالي، وكان هذا مما يغيظ البلقانيين الطامحين إلى ميراثها من تركيا وكانت الروسيا قد بدأت بسياسة التأليف بين البلغار والسرب واليونان، حتى يهاجموا الدولة العثمانية يدا واحدة، فوجدت إيطاليا في احتلال الرومللي سببا للتنازع بينها وبين البلقانيين، فتوقفت عن ذلك وربما تكون إيطاليا كلفت الروسيا اتخاذ سياسة ضغط على الباب العالي حتى يرضى بالتخلي عن طرابلس.

فأخذت الروسيا تفاوض الدول العظام في التوسط لدى الباب العالي في هذا الأمر، وأخيرا اتفقوا جميعا على تقديم مذكرة إلى تركيا ينصحون لها فيها بوضع حد لهذا الخلاف، فأجابت تركيا أن الصلح الوحيد الذي يمكنها أن ترضى به هو إلغاء قرار مجلس نواب إيطاليا استلحاق طرابلس الغرب، وسحب جميع العساكر الطليانية من ذلك القطر، وإلا فهي تقاتل إلى ما شاء الله قتال المظلوم المتعدى عليه! وبينما تركيا على أشد ما يمكن من العزم للدفاع عن طرابلس لما شاهدته من بأس الطرابلسيين وشدة بلائهم في هذه الحرب، ولكونها لم تكن تتكلف عليهم في الشهر الواحد أكثر من مئة ألف جنيه، إذ راعها اتحاد الدول البلقانية الأربع، اليونان، والبلغار، والسرب والجبل الأسود، وتحفزهم للزحف عليها فعند ذلك أجمعت الصلح مع إيطاليا مكرهة.

وكان أنور لا يزال في الجبل الأخضر، ووصل إلينا الخبر ونحن هناك. فعلمت أن الدولة لا تقدر أن تكافح البلقانيين جميعا ومعهم إيطاليا. وفكرت أنه يمكنها إذ أكرهت على الصلح مع إيطاليا أن تستمر على إمداد الطرابلسيين سرا بواسطة مصر، ويمكنها أيضا أن تسحب عسكرها النظامي الباقي في طرابلس بدون أن يحدث ذلك فتورا في الدفاع. فبعد أن وقعت مذاكرات بيني وبين السنوسيين من أعون السيد أحمد الشريف لأنه كان وقتئذ لم يزل في الكفرة، برحت الجبل الأخضر قادما وكان الصدر الأعظم حينئذ مختار باشا الغازي، ولكن السياسة كان أكثرها في يد كامل باشا، وكان ناظر الحربية ناظم باشا، وكان شيخ الإسلام جمال الدين أفندي فقابلتهم جميعا وأوضحت لهم محاذير التخلي عن طرابلس، فقال لي كامل باشا بالحرف: إننا لا نقدر أن نحارب أربع دول البلقان، وسنتمر على محاربة دولة عظيمة كإيطاليا، فبينت له ن استمرار الدفاع عن طرابلس ممكن بدون تكليف الدولة مؤونة شاقة لأن المجاهدين هناك إذا كفلت لهم الدولة والعالم الإسلامي قوتهم الضروري فإنهم يقدرون أن يصدوا الطليان عن التقدم، وليس المقصد من مسعانا سوى إقناع الدولة بأنها إن أكرهت على الصلح لا تتخلى عن إمداد الطرابلسيين بواسطة مصر، فهذا الرأي لم يرفضه كامل باشا، وكذلك أكد لي جمال الدين أفندي شيخ الإسلام بأن الدولة لن تهمل أهل طرابلس، ولكنها مضطرة الآن أن تكف عن حرب إيطاليا حتى تكون انتهت من الحرب البلقانية.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٨١