ولابد من التنويه بالمقام المحمود الذي كان لأهل مصر في هذا الجهاد، فإن هجوم الطليان على طرابلس وق بغتة، فما مضت أيام حتى بدأوا بالتفاوض مع العرب واستجلبوا أناسا منهم على جهتهم لأن الطرابلسيين رأوا أن الدولة لم ترسل قوة تدافع بها عن بلادهم، ووجدوا القوة التي لها من قبل في طرابلس تكاد تكون عدما، فانقطعت آمالهم من إمكان الجهاد. وبينما هم في منتهى الانكسار إذ وصلت إليهم قوافل من مصر موقرة أرزاقا يتلو بعضها بعضا، فكانوا كالأرض الميتة التي أصابها وابل فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن ذلك الوقت بدأوا بالجهاد العظيم، وعلموا أن المسلمين من ورائهم ظهير، ثم لم يلبث أنور أن وصل فازدادت بذلك ثقتهم واشتدت حماستهم، وكان منهم هذا الجهاد الذي استمر عشرين سنة. على أنه لولا دعوة السيد أحمد الشريف هذه القبائل إلى الجهاد ما كان مجئ أنور من الأستانة ولا كانت جمعية الإعانة المصرية التي ترأسها الأمير عمر طوسون ليتمكنوا من تأسيس هذا الجهاد المبين على هذا الأساس المتين، الذي أذن للعرب بأن يصدوا دولة عظيمة كإيطاليا مدة عشرين سنة!
وأما من جهة غربي طرابلس فقد كان الجهاد لا يختلف في شيء عما كان في جهة برقة، واجتمعت هناك الكلمة على الحرب دفاعا عن الوطن، والتفوا حول نشأت بك قائد الجند العثماني الذي جاءه فتحي بك الملحق العسكري العثماني في سفارة الدولة في باريز، وصار هو رئيس أركان الحرب، وانضم إليهم رجالات طرابلس مثل الشيخ سليمان الباروني زعيم الأباضية، وآل سيف النصر، والمحاميد، وأهالي مصراته وترهونه، وزليطن، وأرفلة، وغيرهم. وكان للدولة معسكر أمام طرابلس، ومعسكر آخر أمام خمس، وكان في المعسكر الأول نشأت بك، وفتحي بك، وفي المعسكر الثاني خليل بك خال أنور باشا، نورى بك أخوه. وكانت الحالة هناك كما كانت في برقة تماما، أي أن المجاهدين كانوا يصدون الطليان عن الخروج من طرابلس وخمس، وبقي هذا الأمر إلى أن نشبت الحرب البلقانية وصالحت الدولة إيطاليا على طرابلس، فانفضت هذه الجموع، وركب نشأت بك وفتحي بك ببقية العساكر إلى الأستانة، وكما أن المصريين قاموا بالواجب تحت رئاسة الأمير عمر طوسون من إمداد مجاهدي برقة، فإن التونسيين قاموا أيضا بمثل ذلك من إمداد مجاهدي طرابلس وكل من الفريقين أنفق بدون حساب، وتجلى هناك تعاون المسلمين بما يسر الخواطر ويحقق قوله تعالى:
إنما المؤمنون إخوة .
وأحزر أن المصريين أمدوا مجاهدي برقة بمبلغ لا يقل عن مائتي ألف جنيه نقدا عدا قيمة الأقوات والأرزاق التي كانت قوافلها متصلة يلاقي بعضها بعضا بين غاد ورائح، وقادم وقافل، فهذه لا أعلم حسابا، وعدا ثلاث بعثات أرسلها الهلال الأحمر المصري، وقام فيها بمساعدات كبيرة. وكان للدولة العثمانية أيضا بعثات هلال أحمر متعددة وجاءت بعثة هلال أحمر أيضا من قبل أهالي كانوا مصابين بأمراض مزمنة، وأوبئة مستحكمة، لاسيما مرض الزهري المنتشر. فأخذت هذه البعثات بمؤاساتهم بعد أن كانوا لا يعرفون شيئا من أمر العلاج والوقاية، فاستفاد الأهلون كثيرا في صحتهم، لاسيما عرب الجبل الأخضر. ولولا أن نشبت الحرب البلقانية والتزم المصريون تحويل إمداداتهم إلى جهة الأستانة، لكان الجهاد في القطر الطرابلسي بقي على حاله، وكان الطليان لا يقدرون أن يبرحوا مراكزهم وراء استحكاماتهم ولكن الحرب البلقانية شغلت المسلمين عن حرب طرابلس، وانصرفوا عن المهم إلى الأهم، وأخذت لجنة الإعانة تحت رئاسة الأمير عمر طوسون «أمين الأمة» ترسل الإعانات إلى الدولة، وأراد الأمير عمر أن يبعث أيضا ما بقى من الإعانة الطرابلسية إلى الأستانة فتبت إليه حينئذ أرجوه أن يبقى إعانة طرابلس لطرابلس لأنها في الحرب البلقانية لا يكون لها غناء ذوبال، وأما في طرابلس فإنها تسد أرماق المجاهدين الذين كانوا يجاهدون مكتفين بالقوت الضروري، فقد كان الواحد منهم يعيش بقرش ونصف في اليوم.