تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المعسكر الثالث في برقة فكان في بنغازي تحت قيادة عزيز بك المصري وكانت فيه قبائل العواقير، والمغاربة، والدرسة، والعرفا، والعبيد، وفيه من زعماء السنوسية سيدي عمران السكوري، وسيدي محمد بن عبد المولى، وجم غفير معهما وكان المعسكر العربي مخيما في سهل يبعد ساعتين عن بنغازي إلى الجنوب، وكنا نخمن عدده بأربعين ألف مقاتل كلها تحت المضارب. وقد وقعت سواء في درنة أو في بنغازي وقائع في غاية الشدة، وخسر الطليان فيها ألوفا مؤلفة من الجنود، وما استطاع الطليان أن يخرجوا مسافة شبر واحد إلا ردهم العرب إلى المدن فاعتصموا بها تمدهم بوارجهم من البحر.

وقد ذكرت هذه الحوادث في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» في مبحث خاص بطرابلس الغرب أوسع من هذا. وبقيت هذه الحالة كما نحن واصفوها إلى أن نشبت الحرب البلقانية، وهي التي هجمت فيها دول البلقان مجتمعة بسياسة قيصر الروسيا على تركيا مفاجأة، فتغلبت عليها فبعثوا من الأستانة إلى أور يستقدمونه إلى الأستانة بإلحاح شديد، فاضطر إلى ترك القيادة كارها، وعاد إلى استانبول وخاض في حرب البلقان، ولكن بعد أن كانت دارت الدائرة على الدولة وكان لأنور بلاء حسن بمعية القائد أحمد عزت باشا الأرناؤوطي عندما استرجع الأتراك ولاية أدرنة وبعد رجوع أنور إلى الأستانة صارت قيادة المجاهدين في يد عزيز بك المصري فبقي يقاوم الطليان مدة من الزمن لكنه اختلف مع السنوسية اختلافا شديدا، وكانت إيطاليا قد اتفقت مع عباس حلمي خديوي مصر لذلك العهد، وذلك على أنه يبذل جهده في تسكين حركة المقاومة فاقتنع بذلك، وأرسل وفودا إلى السنوسية ينصح لهم بترك الجهاد فلم يقبلوا كلامه. وحدثني السيد أحمد الشريف أنه عندما جاءه رسول الخيدوي آخر مرة قال له: كنا نتلقاك بالإكرام والاحترام مراعاة للذي أرسلك وإن كنا لم نستطع إجابة طلبه، ولكن بعد أن تكرر قدومك علينا بالطلب نفسه فإننا مضطرون أن ننذرك بأنك إذا جئت بعد هذه المرة من قبل سمو الخديوي تنصح لنا بترك الجهاد فليس لك عندنا أمان على نفسك.

ولما قطع الخديوي أمله من السنوسية استقدم عزيز بك المصري إلى مصر وكانت الدولة قد عقدت معاهدة الصلح مع إيطاليا وأمرت عزيز بك على بإخلاء برقة فجأة ومعه أربع مئة جندي هم بقية العسكر العثماني الذي كان في برقة، والتمس السنوسية من عزيز بك أن يترك لهم الأسلحة والأعتدة التي كانت في يد العسكر، فاحتج بعدم إمكانه ذلك لأن الدولة كانت صالحت إيطاليا على طرابلس بعد أن هاجمتها الدول البلقانية، ومن أجل ذلك لا يقدر هو أني سحب العسكر إلا بسلاحه، فحصل بينه وبين العرب من أجل قضية السلاح هذه معركة في سهر «دفنة» من البطمان غير بعيد عن السلوم، قتل فيها من العسكر بضعة عشر رجلا، ومن العرب زيادة على ستين فتكاثرت العرب واستصرخ بعضهم بعضا وأحاطوا بالعسكر ومنعوه من المسير وكان مرادهم إصلاء عزيز بك والجند الذي معه معركة لم تكن تنتهي إلا بفناء الأربع مئة جندي، وعدد كبير من العرب المهاجمين، فوصل الخبر إلى السيد أحمد الشريف بمكانه من الجبل الأخضر، فأرسل السيد عمر المختار الشهيد المشهور يأمر العرب بالانصراف، وترك عزيز بك المصري بعسكره يسير إلى جهة مصر، وكانت المسافة بين مكان السيد السنوسي ومكان عزيز بك مسيرة أربعة أيام، فقطعها الشيخ عمر المختار في أربع وعشرين ساعة، ولما وصل وجد العرب كلها تجمعت وقد أحاطت بعزيز بك وعسكره تريد الأخذ بالثأر، فأبلغ عمر المختار قبائل العرب أمر السيد أحمد الشريف وقال لهم : مهما كان قد حصل فإنه لا يليق بنا أن تكون نهاية مساعدة الدولة لنا في هذه الحرب أن نفتك بعساكرها لأجل مسألة سلاح، وهم مجاهدون ومسلمون مثلنا. وهكذا ألقى عمر المختار السلام بين الفريقين، ومضى عزيز بك بعسكره إلى مصر وقد ترك السلاح للعرب.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٩