تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يصلوا إلى السلوم حتى وافتهم الأخبار بأن قبيلة من العرب يقال لها الشلاوية وهي من القبائل الصغرى أوقعوا بتابورين من الطليان وردوهم مدحورين إلى درنة وغنموا منها أسلابا كثيرة. فاشتد بهذا الخبر عزم أنور، وأغذ السير، فأول ما لاقى زعماء العرب ومشايخ الزوايا السنوسية في زاوية مرطوبة، وكان العرب ناقمين على الدولة إهمالها أمر طرابلس، ذاكرين تلك الحماقة التي كانت تظهر من عمالها في تجريدهم من سلاحهم، فقالوا لأنور: إننا لا نمشي ولا نقاتل حتى تأتينا بالأسلحة والذخائر الكافية وبالمدافع. فأجابهم بأنه سيأتي بكل ذلك، وكان مقصده بهذا الوعد الفارغ إثارة حماستهم حتى ينغمسوا في الحرب، وإلا فهو كان يعلم صعوبة تهريب السلاح إلى طرابلس وبرقة، فإن الأسطول الإيطالي كان مراقبا السواحل مراقبة شديدة فلم تتمكن تركيا من تسريب الأسلحة إلى المجاهدين إلا في الأندر. والذي أعلمه أنه من محمول البواخر العديدة التي أرسلتها الدولة لم يصل إلا محمول باخرتين لا غير، إحداهما تمكنت من التفريغ في سواحل برقة، والأخرى تمكنت من التفريغ في ساحل طرابلس لأول هذه الحرب .

وقد كان من الممكن تهريب السلاح بواسطة سواحل مصر لولا أن الإنجليز شددوا المراقبة إلى الدرجة القصوى بواسطة مصلحة خفر السواحل المصرية، فلم تتمكن الدولة من تهريب بندقية واحدة بواسطة سواحل مصر. ولما كنت قد أقمت في معسكر عين منصور عدة أشهر، فقد علمت أن السلاح الذي كان يقاتل به العرب هناك قليل منه كان من بقايا سلاح الدولة، ومنه قسم من السلاح اليوناني المهرب الذي يقال له «غراه» والأكثر كان من البنادق الطليانية التي كان العرب يغنمونها في أثناء الوقائع.

وقد أعجب العرب بحمية أنور وبسالته فأحبوه حبا جما، ولما وصلت إلى هناك وجدت في مخيم عين منصور من الجبل الأخضر على مسافة ساعتين من درنة إلى الجنوب سبعة أو ثمانية آلاف مقاتل من العرب من قبيلة العبيدات، وقبيلة البراعصة وقبيلة الحاسة، وبينهم المشايخ السنوسية لزوايا الجبل الأخضر، مثل سيدي محمد العالمي الغماري شيخ الزاوية البيضاء، وسيدي محمد الدردفي شيخ زاوية شحات، وسيدي محمد الغزالي شيخ زاوية ترت، وغيرهم من أشياخ السنوسية.

وكان مع أنور بضعة عشر ضابطا من الأتراك، منهم مصطفى كمال رئيس جمهورية تركيا اليوم، وبضعة عشر ضابطا آخرون من أبناء العرب. ولما مررت بطبرق كان الطليان احتلوها، ولكنهم بنوا استحكاما بقرب البحر امتنعوا من ورائه فلم يكونوا يقدرون أن يخرجوا منه، وكان هناك أمامهم معسكر للعرب قائده أدهم باشا الحلبي، ولا يزيد عدد المقاتلين فيه على ألفين، وبينه وبين معسكر الطليان في طبرق ساعة ونصف، وكان عمدة المقاتلين للطليان في معسكر طبرق قبيلة يقال لها عائلة مريم من العبيدات، وكان لها زعيم يقال له الشيخ المبرى قتل في الجهاد، وكان القائمون بالجهاد في برقة هم السادة السنوسية تحت رئاسة السيد أحمد الشريف الذي استنفر القبائل كلها فانضرت تحت علم السنوسي، وانقادت إلى الضباط العثمانيين تحت رئاسة أنور القائد العام، فكان معسكر صغير في طبرق أمام الحامية الطليانية التي نزلت في ذلك المرسى، ومعسكر ثان في عين منصور تحت قيادة أنور بنفسه وهو يقابل الطليان الذين في درنة، وكان عدد الطليان عشرين ألف مقاتل، ولكنهم كانوا لا يقدرون على الخروج، ولكما خرجوا ردهم العرب إلى حيث كانوا، لا يقدرون على الخروج، ولكما خرجوا ردهم العرب إلى حيث كانوا، وقد بنوا استحكامات حول درنة يعتصمون بها إذا هاجمهم العرب إلى البلدة، ولكن مهاجمة كهذه كان ينبغي لها مدافع، ولم يكن في معسكر أنور إلا مدفعان صغيران لا غير.

وكانت مدافع الطليان من أضخم المدافع، وكانوا يقذفون علينا بالشرانبل بدون انقطاع، وأظن أنه لولا المدافع الكبيرة ما استطاع الطليان الثبات في درنة نفسها.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٨