فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
ولما اجتمعت بأنور رحمه الله بمعسكر عيد منصور فوق درنة، حيث أقمت ثمانية أشهر مجاهدا. كنت أتحدث إليه بما في نفسي من تقصيرات الدولة الفظيعة بحق طرابلس، وكان يوافق على ذلك كله ولا يجد عن إهمالها عذرا.
ثم إنه كان تقرر لدى الدولة تعليم أهالي طرابلس الحركات العسكرية، وأن هذا القرار أيضا قد أهملته الحكومة، ولهذا طلب مجلس الأمة محاكمة حقي باشا وزملائه الوزراء لأجل ما ارتكبوه من هذه الإهمالات كلها، فلم ينفذا القرار بسبب أن بعض الوزراء كانوا من أركان الاتحاد الترقي، فكيف يمكن الجمعية أن توافق على إدانتهم ومحاكمتهم؟ فبقي هذا القرار من المجلس حبرا على ورق.
وكان الصدر الأعظم سعيد باشا قد جنح إلى الصلح، لأن إيطاليا كانت قد احتلت رودوس والجزائر التي تجاورها، وكان البحر في يدها، ولم يكن الأسطول العثماني كفؤا للأسطول الإيطالي. فكان الصدر يرى وجوب الصلح على شرط إبقاء السيادة العثمانية على طرابلس ولو بالاسم، وحفظ حقوق الخلافة الإسلامية، وكانت هذه سياسة دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف، إلا أن الرأي العام الإسلامي كان ضد التساهل في قضية طرابلس، لا سيما عندما رأى المسلمون أن عرب طرابلس لبوا داعي الجهاد بشكل لم يكن منتظرا، ووقفوا في وجه إيطاليا وقفة كان الأوروبيون أنفسهم لا يصدقونها لو لم يروها بأعينهم!. فإيطاليا كانت تظن بحسب المعلومات التي عندها ضعف الحامية العثمانية في طرابلس، أنها تستولي على هذا القطر في مدة لا تتجاوز 15 يوما، وهل لا تشك في ذلك، ولما سمع اللورد كتشنر بظن إيطاليا هذا - وهو القائد المحنك المشهور - وكان يومئذ المندوب السامي البريطاني في مصر قال: إني أرى الطليان مفرطين في التفاؤل، وإن تجربتي الطويلة في حروب أفريقيا تجعلني أخطئ هذا الرأي وأقول: إن احتلال إيطاليا لطرابلس الغرب وبرقة قد يستغرق ثلاثة أشهر... فهذه الثلاثة الأشهر التي ضربها أمدا اللورد كتشنر القائد الإنجليزي الكبير، المنجذ في حروب العالم الإسلامي، والخمسة عشر يوما التي ضربتها إيطاليا أمدا لتمام الاستيلاء على طرابلس، كانت لدى الفعل عشرين سنة تامة، وما انتهت إلا بأسر الشهيد عمر المختار وشنق الطليان إياه وذلك سنة 1931 ولو كان أهالي طرابلس يملكون ما فيه بلغة من العتاد والذخيرة لكانوا إلى اليوم حامين لساحتهم. فإيطاليا بعد غارتها على طرابلس بشهرين أو ثلاثة أوصلت جيش الاحتلال هناك إلى مئة ألف عسكري، ولكنها لم تقدر أن تتقدم إلى الأمام شبرا واحدا، بل كان جيشها في نفس مدينة طرابلس، وفي بلدة خمس، وفي مدينة بنغازي التي لم تقدر العساكر الإيطاليا أن تنزل فيها إلا بعد معركة استمرت ثلاثين ساعة، وجرى فيها من الوقائع ما تشيب له ذوائب الأطفال واحتل الطليان أيضا بلدة درنة على البحر في ذيل الجبل الأخضر، وموقع طبرق من البطنان، أي أنهم لم يكونوا داسوا من أرض طرابلس سوى هذه المدن الأربع، بينما لهم هناك مئة ألف عسكري تمدها البوارج الحربية من البحر!!
وكان أنور ملحقا عسكريا بسفارة الدولة في برلين، وكان علي فتحي ملحقا عسكريا بسفارة الدولة في باريز، فخف أنور من برلين إلى الأستانة يقصد الجهاد في طرابلس، ولما أبدى اقتراحه وجوب تسفير جانب من الضباط إلى طرابلس لم يعتقد أحد في الأستانة بأن ذلك يؤدي إلى فائدة عملية، ولما استأذن لنفسه في الذهاب إلى طرابلس قال له محمود شوكت باشا ناظر الحربية: لا أرى فائدة منس فرك، وربما يقتلك العرب في الطريق لأن الطليان يقدرون أن يرشوهم بالمال فيغتالوك؟! فقال له أنور: لقد أهملنا طرابلس إهمالا فظيعا ضاقت فيه فسحة العذر، فيجب علينا أن نعوض تفريطنا في حقها، وأن نبذل كل ما نستطيعه في سبيل الدفاع عنها، وإذا كان العرب يقتلوننا في الطريق فيكون الذنب ذنبهم، ونعود نحن معذورين. قال لي هذا أنور من فمه في معسكر درنة، وقد وقعت بيني وبينه مودة أكيدة، وخلطة ارتفع فيها التكليف بيننا، واستمرت هذه المحبة منذ تعارفنا في عين منصور سنة 1912. ولما رأت الدولة إصرار أنور على الجهاد بنفسه في طرابلس، أدت إليه خمسة آلاف جنيه لا غير لاعتقادها عقم حركته هذه، فذهب ومعه عدة ضباط مروا من مصر متنكرين، وكان مصطفى كمال من جملة هؤلاء الضباط.