تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرسلت إيطاليا في 29 سبتمبر سنة 1911 أسطولا عظيما إلى مرسى طرابلس فأنذر البلدة بالضرب إن لم تستسلم له، فأبت البلدة الخضوع بدأ يرميها بالقنابر وما زال يرميها حتى تمكن من احتلالها في 7 أكتوبر ولم يكن فيها قوة من الجيش لا في العدد ولا في العتاد، وإنما كان الأهالي العرب هم الذين تولوا كبر المقاومة. وبعد أن نزل الطليان بساحة طرابلس حاول العرب أن يردوا العسكر الإيطالي إلى البحر، فاقتتل الفريقان من 23 أكتوبر إلى 26 منه بشدة نادرة المثال، وكاد العرب يقلعون الطليان من طرابلس، ولولا امتناع الطليان بقلاع طرابلس لأخرجوهم منها ولكنهم امتنعوا ريثما تكاملت جموعهم بوصول الامدادات من البحر، ورد والعرب إلى الوراء بعد أن لحقت بالطليان خسائر جسيمة. ومن شدة ما لحق بهم من الخسائر ارتكبوا فظائع لا تزال وصمة عار عليهم في التاريخ، وذلك في حادثة المنشية التي ذبحوا فيها الأهالي ولم يستثنوا أحدا ولا النساء ولا الأطفال!! ونشرت ذلك الصحف الأوروبية - حتى الصحف المعادية منها للإسلام - فانكفأ الطرابلسيون إلى «واحة عين زارة» فتقدم الطليان بقوة كبيرة وأخرجوهم منها، فانكفأوا إلى «غريان» وصاروا يناوشون الطليان القتال بينها وبين مدينة طرابلس. وقد طرح مبعوثو طرابلس قضية بلادهم في مجلس الأمة العثمانية، فحصلت المناقشات فيها فتبين من إهمال الحكومة العثمانية في ظل الدستور والحرية ما لم يكن معهودا في زمن السلطان عبد الحميد الذي رموه بكل سوء. فمن جملة ذلك أن حامية طرابلس كان ينبغي أن تكون بحسب النظام 17 تابورا من المشاة و10 كواكب من الفرسان، وست بطاريات من مدافع الصحراء، والحال أنه لم يوجد في كل طرابلس إلا أربعة آلاف جندي نظامي لا يزيدون، وأنه كان أهالي طرابلس قد اقترحوا التجنيد من تلقاء أنفسهم، وقرر المجلس في السنة السابقة النفقات المالية لذلك، وعند ما حضر الشبان للتجند وكانوا ستة عشر ألفا لم تقبل القيادة منهم إلا ثلاثة آلاف وأربع مئة. وكان يوجد في طرابلس أربعون ألف بندقية من نوع مرتيني ونوع شنيدر، فاسترجعتها الحكومة إلى الأستانة على وعد أن ترسل بدلا عنها أربعين ألف بندقية موزر، فنسيت الحكومة هذا الوعد ولم ترسل شيئا، وتبين أنا المشير إبراهيم باشا الذي كان واليا لطرابلس قبل ذلك بسنوات اقترح تأسيس معمل سلاح وقراطيس للبنادق في نفس طرابلس وكتب إلى الباب العالي بأن أهالي طرابلس أشداء ذوو بصائر في الحروب إذا أغارت عليهم دولة أجنبية يقدرون أن يدفعوها عن بلادهم، بشرط أن يكون عندهم الأعتدة والأسلحة الكافية، ولما كان لا يوجد عند الدولة قوة بحرية تؤمن إيصال الأسلحة إلى طرابلس فيما إذا أغارت على هذا القطر دولة كدولة إيطاليا، فإنه يجب إرسال كمية وافرة من الأسلحة إلى ثكن طرابلس، وتأسيس معمل للسلاح أو للرصاص بالأقل في نفس طرابلس، بحيث يكون في أيدي الأهالي عدة كافية يدافعون بها عن أنفسهم عند الحاجة، فهذا الاقتراح أهمله الباب العالي ولم ينظر فيه برغم النذر الكثيرة التي كان يتلو بعضها بعضا بأن إيطاليا تتأهب من زمن طويل للإغارة على طرابلس وبرقة.

بل حدثني من أثق به من زعماء الطرابلسيين.

ومنهم كبيرهم السيد أحمد الشريف السنوسي رحمه الله بأن الدولة في زمن السلطان عبد الحميد كانت ترغب في تجريد أهالي طرابلس من السلاح، وتكبس الزوايا السنوسية التي تظن فيها وجود أسلحة وأن انتقال السيد المهدي السنوسي من واحة جغبوب إلى واحة الكفرة على مسافة 25 مرحلة من بنغازي إلى الجنوب كان أصل السبب فيه اعتقاد المهدي السنوسي أن هذا القطر سيتعرض في يوم من الأيام لاحتلال إيطاليا، أنه سيحتاج الأهالي إلى السلاح حتما، والحال أن الدولة العثمانية - بعماية قلب غير مفهومة - كانت تحاول تجريد الأهالي من أسلحتهم، ولا تريد أن تدرك أن هذا القطر دون غيره هو تحت خطر غارة أجنبية لا تقدر الدولة أن تدفعها إلا إذا كان الأهالي متسلحين. فالسيد المهدي السنوسي رضي الله عنه كان يرى ضرورة التسلح في وجه الأجانب، ولكنه لم يكن يريد أن يخاصم الحكومة العثمانية التي كانت ضد هذا الأمر، فأوغل في الصحراء وسكن في الكفرة بعيدا عن الحكومة، وذلك حيث يمكنه أن يتسلح هو ومن معه، وأن يستقل بآرائه. ولما ذهبت أنا إلى برقة لأجل الجهاد بعد الغارة الإيطاليا ببضعة أشهر، سمعت أن متصرف بنغازي كان قبل حرب طرابلس بشهرين يكبس زاوية من زوايا السنوسيين اسمها زاوية القطفية بتهمة أنه مخبأ فيها سلاح.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٦