تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الخرق الثاني في برنامج السلطنة البريطانية هذا فقد وقع من جهة بلاد العرب، فقد كانت إنجلترا تفكر بأنها إذا قضت على الدولة العثمانية كانت هي الوارثة لها في بلاد العرب فتتصرف بهذه البلاد كما تشاء، والملك حسين بن علي الذي زعمت أنها حالفته واعترفت باستقلاله بدل قيامه على الأتراك، إنما تجعل له الحكم في الحرمين الشريفين فقط، وهو مع ذلك سيكون مضطرا إلى قبول أية كلمة تصدر منها. وأما نجد والعراق وفلسطين فهذه كانت في نظر إنجلترا مرشحة تكون من المستعمرات البريطانية، فظهر لها بعد الحرب العامة وبعد ظفهرها مع حلفائها أن العراق لا يرضى أن يكون من جملة مستعمرات إنجلترا، وما زال يثور حتى اضطرت إنجلترا إلى الاعتراف باستقلاله، وهي وإن كانت اتفقت مع العراقيين على تأمين المواصلات الإمبراطورية كما يقال، فهذا التأمين للمواصلات ليس بسرمد، كما أن نجدا مع توابعه الواصلة إلى الجوف، وإلى قريات الملح على مقربة من شرقي الأردن، بقى مستقلا تمام الاستقلال، يليه ملك عظيم الشأن هو «عبد العزيز بن سعود» وقد أوسع ملكه بالاستيلاء على الحجاز وصارت هناك دولة عربية مؤلفة من نجد والحجاز وعسير يسكنها زهاء خمسة ملايين من قبائل العرب المسلحة، ولا يسهل على إنجلترا أن تلعب بها كما تشاء، ولا أن تجعل فيها خطوط مواصلات. فلذلك كان هو هذا الخرق الثاني في البرنامج البريطاني.

ثم بينما هي تظن أنها قد تملكت مصر ولم يبق لها معارض فيها ولا في السودان وبينما هي تقيم القيامة اليوم لأجل منع إيطاليا، من الاستيلاء على الحبشة حتى تؤمن السلطنة التي تحلم بها من البحر المتوسط إلى رأس الرجاء الصالح، ظهر لها خرق ثالث في هذا البرنامج، وهو قيام المصريين عن بكرة أبيهم يبلغون إنجلترا أن جميع مماطلاتها لن تفيدها شيئا في حل الخلاف الذي بينها وبين مصر، وهو الخلاف الذي يأبى المصريون أن يعرفوا له حلا غير مؤسس على استقلال مصر التام!. فهذه إذا ثلاثة خروق، أولها إيراني، والثاني عربي، والثالث مصري، في هذا البرنامج الواسع الذي حلمت به إنجلترا، وليس الإنجليز بأول كتلة بشرية اتسع سلطانها حتى أفقدها رشدها، وجعلها تحاول تخليد حكمها على آفاق لا تغرب الشمس عنها. بل من قبلها سكرت أمم كثيرة بخمرة العز! وبينما هي تظن أن لم يبق لها منازع في الدنيا، جامتها الحوادث بما لم يكن في سحبانها، وخسرت ما كانت قد تظنته مما ملكت أيمانها، وظهر على الأمر من لم يكونوا لها على بال. ولا بد أن يصدق فيها قوله تعالى:

كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين

ونعود إلى غارة إيطاليا على طرابلس الغرب فنقول: إنها وإن كانت قد اعتذرت بكون الإنجليز والفرنسيس تقاسمتا أفريقيا، ولم تبقيا لها شيئا غير طرابلس الغرب فاضطرت إلى احتلالها، فإنه لم يكن من ضمير حي، ووجدان قوي، ليقبل هذا التعليل ويجعله حجة!!. وإن كان مما لا شك فيه أن إنجلترا وفرنسا كانتا على وفاق مع إيطاليا في قضية طرابلس. ولذلك عند ما استغاثت تركيا بدول أوروبا جمعاء مما فعلته إيطاليا أصمت إنجلترا وفرنسا آذانهما عن سماع نداء تركيا !! وليتأمل المتأمل في تلوي السياسة ودناءة مباديها، وذلك عندما يرى أن اعتداء إيطاليا على طرابلس لم تقابله إنجلترا بأدنى كلمة استنكار، على حين أنها اليوم تحشد إنجلترا 180 بارجة حربية، وتجمع كلمة خمسين دولة من أعضاء جمعية الأمم على مقاطعة إيطاليا التجارية بحجة أن إيطاليا شنت الغارة على الحبشة ظلما وعدوانا، كأن الغارة على طرابلس لم تكن ظلما وعدوانا!! كأن الغارة على طرابلس لم تكن ظلما وعدوانا!! يحللونه عاما ويحرمونه عاما، ويفضحون أنفسهم أمام التاريخ ولا يبالون بما يقال عنهم.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٥