وحقيقة مسألة طرابلس الغرب من أولها إلى آخرها لا تخرج عن كون إنجلترا وفرنسا تقاسمتا أفريقيا، وذلك على أثر حادثة فاشودة المشهورة التي كادت توقع الحرب بين الدولتين، فعند ما اقتنعت فرنسا بإرجاع جنودها من فاشودة اتفقت الدولتان على تقسيم أفريقيا كلها تقريبا بينهما على قاعدة أن فرنسا تسكت لإنجلترا على وادي النيل وجميع توابعه، وهن امتلاك الخط الممتد من البحر المتوسط إلى الكاب، وبمقابلة ذلك توافق إنجلترا على احتلال فرنسا للمغرب بحذافيره وتوابعه، وقد كانت هذه السياسة التي اتفقت فرنسا وإنجلترا عليها هي الأصل الأصيل في الحرب العامة ولولاها كان يبعد كثيرا وقوع هذه المجزرة البشرية الكبرى، وذلك لأن ألمانيا وجدت في عمل فرنسا وإنجلترا هذا استخفافا بها، وجهالة لمكانها بين الدول العظام وأخذت من ذلك الوقت تترصد الفرصة لإظهار ما في نفسها من عمل إنجلترا وفرنسا وأبت أن تعترف لفرنسا بحق احتلال مراكش. وسيكون لهذه المسألة أدوار أخرى تمر بها وتزيد العداوة بين ألمانيا وإنجلترا إلى أن تنشب الحرب العامة، لأنه عند ما اشتدت الأزمة بين فرنسا وألمانيا من أجل استيلاء فرنسا على مراكش، كان الفرنسيس سألوا الإنجليز عما يكون من موقفهم في هذا الخلاف؟ فأجابوهم بأن الأسطول الانلكيزي حاضر للعمل في جانب فرنسا. فكان هذا الجواب هو أعظم عامل في زرع العداوة بين الألمان والإنجليز. فالحرب العامة إذا وإن تعددت أسبابها فقد كان السبب الأقوى في نشوبها اتفاق إنجلترا وفرنسا على تقسيم أفريقيا وانتهاء الأمر باحتلال فرنسا للمغرب بمساعدة إنجلترا، فإنجلترا من زمن قديم تريد أن تربط شرقي أفريقيا بالهند، وتجعل من ذلك مستعمرة واحدة، ولأجل تحقيق هذا المشروع توسلت بوسائل لا تحصى، أولها القضاء على الدولة العثمانية حتى يتسنى لإنجلترا وضع يدها على جزيرة العرب التي هي حائلة في الوسط بين أفريقيا والهند، والثاني القضاء على استقلال الدولة الإيرانية، وقد كنت إنجلترا اتفقت سنة 1911 مع الروسيا على اقتسام المملكة الفارسية فجعلوها ثلاث مناطق، الشمالية تحت تصرف الروسيا، والجنوبية تحت تصرف إنجلترا، والمتوسطة مستقلة إلى حد محدود تحت نفوذ الدولتين.
وهكذا أصبح ممكنا أن تمد إنجلترا خطا حديديا في جنوبي فارس آتيا من الهند إلى العراق، ثم تمده في أراضي الدولة العثمانية من حدود فارس في أرض العراق وفلسطين إلى مصر، وهكذا إلى رأس الرجاء الصالح، وتكون جميع البلدان التي سيمر بها هذا الخط من أملاك إنجلترا خالصة لها. فما اكتفت إنجلترا بالاستيلاء على الهند التي فيها 320 مليونا من السكان، بل حاولت أن تطفر من الهند إلى أفريقيا، وتجعل هاتين القارتين، غربي آسيا، وشرقي أفريقيا قطعة واحدة، لا ينازعها فيها منازع. وكأنها تريد أن تأخذ موثقا على الدهر، وتجعل الفلك الدوار يدور على محور إرادتها، فجميع هذه الأمم من هنود وإيرانيين وعرب ومصريين وأحباش وصوماليين وزنوج لم يوجدوا في نظر إنجلترا ليكون لهم حرية في أنفسهم! وإنما أوجدهم الله ليكونوا رعايا لإنجلترا حتى تكون لها الكبرياء في الأرض، ولأجل إتمام تصورها هذا لزم لها أن تسترضي فرنسا فتبيحها احتلال المغرب، واسترضاء إيطاليا فتتفق مع فرنسا ويسمحان لها باحتلال طرابلس الغرب، فهل تمكنت إنجلترا من تطبيق برنامجها الواسع هذا؟ الجواب إنها قد لقيت في تطبيقه ما لم تكن تتوقعه بل ما لم يكن يخطر لها على بال! فأول خرق وقع في هذا البرنامج وقع من جهة فارس فإن إنجلترا كانت تقاسمت فارس هي والروسيا قبل الحرب العامة، ثم جاءت الحرب العامة فكانت نتيجتها الظفر الأكبر لإنجلترا، وكان من المعقول أن إيران بعد هذا الظفر تصبح - لاسيما المنطقة الجنوبية منها - مستعمرة إنجليزية، فكان الذي حصل هو عكس ذلك، ورجعت إيران فأخرجت الإنجليز والروس من بلادها، ورجع خط الاتصال بين الهند ومصر منقطعا.