تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 1910 بدأت الثورة في نواحي «برشتنة» بسبب الضرائب فأسرع الأرناؤوط من سائر الجهات إلى نجدة أرناؤوط برشتنة، فأرسلت الدولة جيشا نحو عشرين ألف مقاتل، ومعهم ثلاثون بطارية من المدافع تحت قيادة شوكت طورغوط باشا، فقاتلوا الأرناؤوط قتالا شديدا ولكنهم لم يقدروا عليهم ولاسيما في مضيق «كاتشانيق» وهو موقع شديد المنعة في ولاية قوصوه احتله الأرناؤوط، وعجز العسكر عن أخذه، فما زالت ترد الإمدادات إلى شوكت طورغوط باشا حتى تمكن من الاستيلاء على المضيق وهزم الأرناؤوط بعد وقائع دموية، ودمر لهم قرى كثيرة فانتقلت مقاتلة الأرناؤوط إلى مضيق «تشرنالوفة» ولبثوا يقاتلون. فأرسلت الدولة محمود شوكت باشا ينصح للأرناؤوط بالكف عن القتال وبالدخول في طاعة الدولة فتوفق في مهمته وأخلد الأرناؤوط إلى السكينة. إلا أن عيسى بولاطين وإدريس صقر وعدة آلاف من الثائرين معهما لاذوا بالقرار إلى جهة الجبل الأسود، وإلى قرى الأرناؤوط الكاثوليك، وكانت الثورة الأرناؤوطية، في بادية الأمر قاصرة على الأرناؤوط المسلمين، ففي سنة 1911 انضم إلى المسلمين قبائل الأرناؤوط الكاثلويك وصارت جمعيات الأرناؤوط في إيطاليا ورومانيا تمد الثورة، وجاءت إلى الأرناؤوط نجدات من الجبل الأسود، وصار ثوار الأرناؤوط يلجأون إذا ضاقت بهم الحال إلى أرض الجبل وعادت الثورة فازدادت اشتعالا، وعبت الدولة ستين تابورا، وأخذ شوكت طورغوط يدمر قرى الماليسور المارديت من الأرناؤوط الكاثوليكيين، فعند ذلك توسطت دولة النمسا والمجر لدى الباب العالي لأجل الكف عن سفك الدماء، فاستمعت الدولة نصيحة النمسا وأخذت في تضميد جروح الأرناؤوط بما أمكن، وسكن الأرناؤوط ولكنهم رجعوا إلى اقتراحاتهم الأولى وهي احترام الدولة لعاداتهم القومية واستقلال التعليم في مكاتبهم، واستعمال الحروف اللاتينية ومنح البانيا إدارة لا مركزية، وانفاق ما يفيض من واردات ألبانيا على منافع هذه البلاد، واجتمع مبعوثو الأرناؤوط تحت رئاسة حسن بك مبعوث اسكوب وقرروا هذه المطالب فأجابت الدولة بالقبول ورضيت بأن تكون الخدمة العسكرية سنة في الأستانة وسنتين في نفس البانية، وأوجبت أن يكون المأمورون في ألبانيا عارفين باللغة الأرناؤوطية، وأخذت الدولة ترمم البيوت التي دمرتها العساكر، ووزعت مبالغ من النقود على المصابين، وهكذا سكنت الثائرة الأرناؤوطية، وذهب السلطان محمد الخامس بنفسه إلى بلاد الأرناؤوط وصلى في صحراء توصوه ووراءه جمع قيل إنه ألف مصل، ورجع إلى الأستانة مسرورا.

وفي تلك الأيام بدأ الشقاق بين أعضاء الاتحاد والترقي أنفسهم، واختلفت الآراء في مجرى السياسة التي يجب على الجمعية اتباعها، فخرج منها أناس مغاضبين، منهم أمير الألاي صادق بك الذي كان من مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي، فانفصل عن الجمعية وألف حزبا جديدا معاكسا لها ثم استعفى طلعت بك، وأمر الله أفندي وحلاجيان أفندي من النظارات، التي كانوا يتولونها وظهر الناس ضعف الحكومة ولم يكن مجلس المبعوثين بأحسن منها حالا بل كانت تتوالى فيه المشاحنات والمهاترات بين الأحزاب، ومرة جرت حادثة بين نواب العرب ونواب الترك وكادوا يتضاربون والخلاصة أن العثمانيين كانوا في ذلك الوقت يمزق بعضهم بعضا، وكانت كل العلامات تؤذن بسوء المصير، وإذا بحادث طرأ بغتة وهو أن إيطاليا أعلنت الحرب على تركيا أو تتخلى لها عن طرابلس الغرب وبرقة، وكانت مطالب إيطاليا عبارة عن خمسة وهي: خروج العساكر العثمانية من طرابلس، وبنغازي، ودرنة، وتشكيل جندرمة فيها تحت قيادة ضباط من الطليان، وأن تكون إدارة الجمارك بأيدي مأمورين من الطليان أيضا، وأن لا يتعين وال لطرابس إلا برضى إيطاليا، وأعطى الباب العالي مدة أربع وعشرين ساعة ليجيب بالقبول. فاجتمع مجلس فوق العادة في القصر السلطاني، وسمع حقي باشا الصدر الأعظم كلاما مهينا بسبب إهماله وعدم احتياطه لأن سعيد باشا رئيس مجل الأعيان ذكر له أن مطامع إيطاليا لم تكن مجهولة عند تركيا، وأنه سبق لإيطاليا كونها قدمت مذكرة إلى الباب العالي سنة 1904 بعد اتفاق إيطاليا مع فرنسا وإنجلترا تقول فيها،: إنها ما دامت الحالة غير متغيرة في البحر المتوسط، فإن إيطاليا لا تدعي بشيء في طرابلس الغرب، ولكن إذا حصل تغيير في البحر المتوسط يخل بالتوازن الدولي فهي مضطرة أن تتخذ تدابير لوقاية مصالحها. ثم إن حقي باشا كان سفيرا في روما، فكان يجب عليه أن يطلع على حقيقة نيات إيطاليا وليس لحقي باشا عذر في غفلته هذه. فثبت بحق حقي باشا ما أوجب استقالته ملوما بل مغضوبا عليه، ولم يقدر هو أن يدافع عن نفسه. ثم أجاب الباب العالي برفض مطالب إيطاليا قائلا لها: إذا كانت ستصمم على احتلال طرابلس فإن الدولة تقوم بالواجب عليها بإزاء اعتداء إيطاليا.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٣