وقد كنا نلاحظ أيضا أنه عند ما يخرج لصلاة الجمعة - سواء كان راكبا جوادا أو راكبا عربة - يكون عن جانبيه فارسان، كل منهما سيفه مسلول في يده وهما أيضا عربيان أحدهما محمد باشا العرقسوسي من دمشق، والثاني علي باشا قيراط من طرابلس الغرب. فلما تدلى السلطان محمد رشاد وصار الأمر إلى حزب جون ترك نثروا هذا الحرس الخاص من أرناؤوط وعرب نثرا، ولم يبقوا له أثرا.
ونعود إلى ذكر إقبال السلطان عبد الحميد على الأرناؤوط فنقول: إنه أمتعهم بامتيازات كثيرة، وأعلقهم حبال الارتباط بشخصه حتى صاروا لا يبغون منه بدلا ولا عنه حولا. ولما قال الاتحاديون بالانقلاب وإعلان القانون الأساسي ثقل ذلك على الأرناؤوط وتوجسوا خيفة قصر حريتهم، لأن القانون الأساس كان معناه المساواة التامة بين الرعية، وهم لم يكن السلطان يعاملهم بالحقيقة بالمساواة، بل كان يميزهم على غيرهم، ويسبغ عليهم من النعم ما لا يعرفه فريق آخر من الرعية، ولذلك اجتهدت جمعية الاتحاد والترقي في استرضاء الأرناؤوط بجميع الوسائل حتى لا يناهضوا الدستور، ووعدتهم بإبقاء امتيازاتهم الأولى، وبفتح مدارس تعلم فيها لغتهم، وباعتبار اللغة الأرناؤوطية لغة رسمية في بلادهم، وبمعاملتهم في كثير من الأحيان بحسب تقاليدهم عاداتهم، وبتعزيز الشرع الإسلامي فيما بينهم، وأخذت توزع الأسلحة على الأرناؤوط ليتمكنوا من مقاومة السربيين، وأهالي الجبل الأسود وكل هذا قصدت به جمعية الاتحاد والترقي اجتذاب الأرناؤوط إلى ناحيتها حتى لا يعارضوا نشر الدستور، ولا يحدثوا عليه ثورة وهم أسرع الناس إلى الثورات. إلا أن الأرناؤوط كانوا لا ينسون منزلتهم الخاصة عند السلطان عبد الحميد، وكانوا لا يثقون في حزب «جون تورك» ففي أول سبتمبر سنة 1909 أرسلوا وفدا إلى سلانيك يطالب بإعادة الأحكام في ألبانيا إلى الشرع الشريف، وبالاعتراف بامتيازاتهم وبتأسيس مكاتب أرناؤوطية على نفقة الدولة مما لم يكن ليرضي جمعية الاتحاد والترقي التي داهنتهم في أول الأمر من قبيل التسكين وتخدير الأعصاب، حتى لا يثوروا في وجه النظام الجديد. فلما رأتهم ممعنين في الإدلال، متعنتين على الدولة بصنوف المطالب قررت بإزائهم إرهاف الحد، وإدخالهم في الطاعة كسائر أجناس الرعية. وكان بين الأرناؤوط رجل اسمه «عيسى بولاطين» من زعمائهم، ولم يكن يراعي القوانين ولا يتحرج عن القتل والنهب إذا ألجأه الأمر. وكان السلطان عبد الحميد يصيبه بنعمه المتواترة حتى تسلم البلاد من عيثه، فلما أعلن الدستور لزم عيسى بولاطين بيته ساكنا ولكن الاتحاديين لبثوا يحسبون له حسابا، فأصدروا الأوامر إلى الحكومة المحلية بنزع سلاح عيسى بولاطين والجماعة التي حوله، ومن المعلوم أن الأرناؤوطي يؤثر الموت على تسليم سلاحه، فعصى عيسى بولاطين الأمر فساقت الدولة عسكرا بقيادة جاويد باشا فذهب هذا الجيش ودمر القرى وأوقع بأهلها، ودك الحصن الذي يسكنه عيسى بولاطين، فثار الأرناؤوط في كل الجهات من أجل ذلك، واتسعت الثورة فضاعف جاويد باشا القوة وبطش بالثائرين بطشة جبارين، ونزع الأسلحة من أيدي الأرناؤوط وتقاضاهم غرامات ثقيلة، وقيل إنه قتل النساء والأولاد - وهذا ما لا نعتقده، ولكنه أشيع يومئذ عمدا - فاجتمع ثلاثة آلاف أرناؤوطي في «فيرازوفيتش» لأجل الاحتجاج فرماهم جاويد باشا بالقنابر، وشرد بهم من خلفهم، ثم أخذت الدولة بإحصاء النفوس فازداد قلق الأرناؤوط، وعلموا من هذا أن الدولة تريد إجراء الخدمة العسكرية في ألبانيا. وكان مقصد الجون تورك في الواقع أن يلغوا امتيازات الأرناؤوط تدريجيا، وأن يجبروهم على دفع الضرائب التي تدفعها سائر الرعية، وأن ينسوهم تلك الدولة التي عودهم إياها السلطان عبد الحميد، وكل هذا كان بعيدا عن أن يرضى به الأرناؤوط وفي 17 يوليو سنة 1909 عقد الأرناؤوط في «فريز وفيتش» مجمعا عاما للتحدث فيما بينهم في ما يجب أن يعملوه لمعالجة هذه الحالة، فأرسلت جمعية الاتحاد والترقي نيازي بك أحد أركانها لأنه أرناؤوطي، وأصحبته بجماعة من المخلصين لها على أمل أن يصرفوا الأرناؤوط عن المطالبة بما يخالف مصالح الدولة، فلم تقترن مساعيها بالنجاح، لأن المؤتمر الأرناؤوطي قرر أن يكون للأرناؤوط حق بتولي المناصب الإدارية، وبتعليم اللغة الأرناؤوطية، واقترح توسيع سلطة مجالس الولايات وإنشاء الطرق وعقد اجتماع سنوي للأمة الأرناؤوطية، وعدم تقاضي الأرناؤوط شيئا من الضرائب عدا العشر، وأن يؤخذ معدل خمس سنوات ويجعل منه متوسط ويصبر جباية ثابت، وغير ذلك من الاقتراحات التي رأت فيها جمعية الاتحاد والترقي مقدمة لاستقلال داخلي في ألبانيا، وكانت بلاد ألبانيا الجنوبية ساكنة، بخلاف ألبانيا الوسطى والشمالية إلا أن الحركة في آخر الأمر شملت الجميع، وقرر الأرناؤوط فيما بينهم الحرب لأجل الاستقلال بإدارتهم الداخلية وتحفزوا للقتال.