السلطان محمد الخامس
وهكذا تقرر خلع عبد الحميد الثاني، ومبايعة أخيه السلطان محمد رشاد باسم محمد الخامس. وهذبت لجنة مؤلفة من عارف حكمت باشا وآرام أفندي من أعضاء مجلس الأعيان، ومن أسعد باشا مبعوث دراج، وفراسو أفندي مبعوث سلانيك، فبلغوا السلطان قرار خلعه، وفي يوم الأربعاء 28 إبريل الساعة الثامنة والنصف مساء جاء القائد حسين حسني باشا وعلي فتحي بك وأبلغا السلطان قرار نقله إلى سلانيك، وسفروه في نصف الليل، وكان معه نساؤه وإثنان من أولاده، الأمير عبد الرحيم أفندي وعمره 16 سنة والأمير محمد عابد وعمره 6 سنوات، ولم يصحبه إلا أربعة من الخصيان، وتسعة من الخدم. وبعد نقل السلطان إلى سلانيك ومبايعة أخيه سكنت الأمور وأعلنت الإدارة العرفية في العاصمة، وتألف مجلس حربي لمحاكمة الذين أحدثوا الثورة وسفكوا الدماء فصدر الحكم بشنق عدد من هؤلاء، ولا شك في أنه كان قد نفى أناس كثيرون متحفزون لإعادة السلطان عبد الحميد إلى العرش في أول فرصة، ولكن هذا الحزب كان يرى لزوم السكينة إشفاقا على الدولة. ولما اشتعلت الحرب البلقانية أعادت الدولة السلطان عبد الحميد إلى الأستانة، وأنزلته في قصر «بكلر بك» حيث بقى إلى أن مات سنة 1917 وحضرت مأتمه وشهد الجمهور بحقه شهادة حسنة لأنهم كانوا يعتقدون إسلامه وإيمانه، وبعد أن بويع السلطان محمد الخامس، أعيد حسين حلمي باشا إلى الصدارة، وبقى النفوذ الحقيقي لجمعية الاتحاد والترقي، فحصل بين الجمعية وحسين حلمي باشا اختلاف أدى إلى استقالته. فاستدعى الاتحاديون إبراهيم حقي باشا سفير الدولة في روما، وجاء إلى الأستانة في 11 يناير سنة 1911 فاختار حقي باشا لنظارة الحربية محمود شوكت باشا وصار طلعت بك ناظرا للداخلية، وجاويد بك للمالية، ورفعت باشا للخارجية، ونجم الدين ملا بك للعدلية، وحلاجيان أفندي للنافعة، والأميرال خليل باشا للبحرية، والشريف علي حيدر باشا للأوقاف، وأمر الله أفندي للمعارف، وتولى مشيخة الإسلام القاضي حسين حسني أفندي.
وعندما قرئ برنامج الوزارة الجديدة في المجلس نالت 187 صوتا ضد 34 من المعارضين. واستنكف 21 مبعوثا عن إعطاء أصواتهم، فكان مبدأ وزارة حقي باشا مؤذنا بالنجاح، إلا أنه كان الأمر لا يزال في يد الاتحاديين، فاشتدت من أجل ذلك المعارضة. وكان حقي باشا ومحمود شوكت باشا ورفعت باشا من أعضاء الوزارة معتدلين، على حين أن طلعت بك وجاويد بك وحلاجيان أفندي كانوا يريدون إجراء برنامج الاتحاد والترقي «بزرة وعروته» فوقع الخلاف في وسط الوزار وصار الاتحاديون الغلاة يريدون إسقاط حقي باشا من الصدارة، وفي ذلك الوقت جرت ثورة الأرناؤوط وأساسها أنه بعد مؤتمر برلين تألفت جمعية في بلاد الأرناؤوط مبدؤها المحافظة على الوطن الألباني، وهذه المحافظة كانت تقتضي مقاومة الأروام من جهة، والسربيين من جهة أخرى. فنظر السلطان عبد الحميد إلى الموضوع فوجده موافقا لسياسته ولسياسة الدولة العثمانية، فأخذ يقوي الأرناؤوط عمدا ويمدهم بالمال، ويوليهم المناصب ويعتمد عليهم أكثر من سواهم. وما عاشت الجمعية الأرناؤوطية إلا بفضل إمداد السلطان عبد الحميد لها، فقد كان يتخذ الأرناؤوط ردها له في مقاومة البلقانيين الذين ينوون الاستيلاء على بلاد الرومللي كالسرب والبلغار، واليونان، وكان أيضا يتخذ الأرناؤوط بطانة له ضد حزب «جون تورك» الذي كان يعلم أنه لن يرضى عنه. وكان بلغ عدم ثقته بالترك أنه جعل الحرس السلطاني الخاص كله من العرب والأرناؤوط، فكان حول قصر يلدز بضعة عشر تابورا من العساكر نصفها من العرب بزي خاص بهم يلبسون العمائم وأكثرهم من عرب اليمن، والنصف الآخر كان من الأرناؤوط بزيهم الخاص. وكان قد اعتنى جد الاعتناء بتعليم هذا العسكر الخاص وتدريبه وترفيه معيشته، والتأنق في كسوته حتى صار من الطبقة الأولى في عساكر العالم، لا يفضله عسكر آخر. ولما زار إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني صديقه السلطان عبد الحميد الثاني واستعرض أمامه هذا الحرس الخاص، ابتهج الإمبراطور به ابتهاجا أكيدا وقال: إنه يضاهي أحسن عسكره في ألمانيا. وكان إذا خرج السلطان يوم الجمعة للصلاة أقيمت له مراسم حافلة تتجلى فيها الهيبة الملوكية إلى الدرجة القصوى، وتسير الوزراء والقواد أمام مركبة السلطان مشاة على الأقدام، وتصطف عساكر الحرس المذكور عن الجانبين، العرب من جهة، والأرناؤوط من جهة، فيكون لذلك أبهة وروعة لا ينكرها أحد. وكان يسمى هذا الاحتفال برسم السلملك، فتقصده كبار الأجانب والسياح من جميع الأقطار، وقلما كان السلطان يخرج من قصره إلا لصلاة الجمعة، وكان سفراء الدول يذهبون غالبا لشهود هذه الحفلة، وكان اقتصار السلطان في حرسه على العرب والأرناؤوط دليلا واضحا على عدم ثقته في الأتراك الذين يوجد منهم غالبا من ينوي له السوء