تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من رمى بنفسه من النوافذ فسقطوا وتكسرت أرجلهم.

ومنهم من تخبأ في أي مكان يتوارى به عن الأعين، ولكن العسكر بعد أن فتك بناظر العدلية وبمبعوث اللاذقية سمعوا أنه سيأتي عسكر آخر بأمر السلطان فيقتص منهم، فوقع الرعب في قلوبهم وأمسكوا عن قتل سائر المبعوثين وصاروا يطلقون الرصاص في الفضاء تهويلا.

وأما حسين حلمي باشا والوزراء رفاقه فقد تخبأوا حيث لا يعلم بهم أحد، وانسل محمود مختار باشا على باخرة إنجليزية فذهب العسكر إلى بيته ليقتلوه فلم يجدوه. فأمر السلطان بتأليف وزارة جديدة تحت رئاسة توفيق باشا الذي كان سفيرا للدولة في لندرة، وأدخل فيها أدهم باشا قائد الجيش العثماني الذي قهر اليونان، وذهني باشا ورفعت باشا الذي كان ناظرا للخارجية في الوزارة السابقة، فأبقوه في الوزارة الجديدة كما كان، وأبقوا أيضا ضياء الدين أفندي شيخ الإسلام. وأبقوا نورادونغيا أفندي الأرمني ناظر الأشغال النافعة، وأبقوا خليل حمادة باشا ناظر الأوقاف وتعيين عادل بك ناظرا للداخلية، والقائد ناظم باشا قائدا للفيلق الخامس مكان محمود مختار باشا، وقد كان وقوع هذه الثورة في 13 إبريل سنة 1909 وفي اليوم التالي لم ينعقد المجلس ولكن لما تم تشكيل الوزارة انعقد بحضور 191 مبعوثا وأصدر المجلس منشورا يحاول فيه تلطيف الحادثة، ويحث الرعية على السكون. ونقلت جثة الأمير محمد أرسلان باحتفال عظيم إلى بيروت حيث كان له مأتم لم يسبق نظيره، وبكى الجميع شابه لأنه كان في الرابعة والثلاثين من العمر، وبكوا مزاياه العالية. وحزن عليه أبوه الأمير مصطفى أرسلان حزنا أثر في صحته فلم يعش بعد ذلك طويلا.

ولما وصل الخبر إلى سلانيك وهي مركز الاتحاد والترقي هاج العسكر ولا سيما الضباط الذين علموا بقتل رفاقهم، فلم يبطثوا أن زحفوا إلى الأستانة. فاجتمع الفيلق الثالث - أي فيلق سلانيك - والفيلق الثاني - أي فيلق أدرنة - وساروا إلى العاصمة تحت قيادة محمود شوكت باشا، فوقع الرعب في الأستانة وخيف أن العساكر الآتية من أدرنة وسلانيك تنتقم من العساكر والأهالي الذين قاموا بالثورة الرجعية، فأرسل الصدر الأعظم إلى محمود شوكت باشا يقول له: إن السكون تام في الأستانة وأنه لا خوف من حرب، وكان توفيق باشا قد نصح للسلطان بعدم المقاومة خوفا من حرب أهلية.

ولما اجتمعت الجيوش في «سان ستفانو» وذلك في 21 إبريل أقبل عليها النواب والشيوخ وانعقد مجلس الأمة تحت رئاسة أحمد رضا بك، ونشروا منشورا يجعل الأمر والنهي والاقتصاص من الثائرين في يد محمود شوكت باشا قائد الجيش المسمى بجيش الحركة، وكان العساكر البحرية قد اشتركوا في الثورة من قبل، ولكنهم لما رأوا القوة أقبلت أسرعوا إلى الخضوع. وبالإجمال لم يكن في نية توفيق باشا ولا أدهم باشا، ولا أحد من الوزارة الجديدة مقاومة الفيلقين القادمين من الرومللي ولكن بعض العساكر الذين كانوا في ثكنة «ظاشقشلة» والذين كانوا هم الثائرين والفاجرين للدماء، أطلقوا النار على جيوش الرومللي فوقعت معركة انتهت بفوز الرومللي، وكذلك وقعت مناوشات خفيفة في ثكن أخرى وانتهت بفوز قوة محمود شوكت باشا، وكان يحيط بقصر يلدز سبعة آلاف من الجيش المخلص للسلطان، إلا أنهم لم يروا السلطان ناويا المقاومة فخضعوا لمحمود شوكت باشا. وفي 26 إبريل تقرر في مجس الأمة خلع السلطان. وصدرت الفتوى من مشيخة الإسلام بأنه إذا كان زيد - الذي هو أمير المؤمنين - يحذف مسائل مهمة من كتب الشرع وقد يمنع تداول هذه الكتب أحيانا ، وكان يخالف الشرع في استعمال بيت مال المسلمين ويقتل وينفي ويحبس بمجرد هواه، ويحنث بيمينه الذي أقسمه، ويحدث الفوضى في المملكة أفلا يجوز تخليص الأمة من ضرره؟ أفلا يكون من مصلحة الأمة خلعه إلخ؟ الجواب، نعم.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٧٠