فأما من جهة المسلمين فإن الجامعة الوحيدة التي كانت تجمع بين الترك والعرب والكرد والأرناؤوط والجركس هي الجامعة الدينية، ولولاها لكانت هذه السلطنة تفككت منذ قرون، ولكن سوء الإدارة في الداخل من جهة، ودسائس الأجانب من الخارج من جهة أخرى، حملا الكثيرين من العرب والأرناؤوط بنوع خاص على النزوع إلى الانفصال عن الدولة برغم الجامعة الدينية، وقد بدأ ذلك عند الأرناؤوط قبل العرب، فحاولت الدولة تأديب الثائرين منهم فاستلزم ذلك تجريد جحافل ووقعت معارك دموية، فازداد الأرناؤوط من الدولة نفورا. وأما العرب فكانت عندهم غيرة من الترك لأنهم كانوا أكثر من هؤلاء عددا، ولم تكن لهم الامتيازات التي للترك، وكان الترك يزعمون أن العرب غير قائمين بما يجب عليهم تجاه السلطنة حتى يتمتعوا بالمساواة التامة مع الأتراك، فمن البلاد العربية جانب كبير لا يقوم بالخدمة العسكرية الإجبارية، بل يكلف الدولة سوق عساكر لإدخال أهله في الطاعة، وهذا النزاع بين العرب والترك لم يكن ينتهي بل كان يزداد بضعف الدولة وقد كان يظهر في مواقع كثيرة. ولكن كان المانع الوحيد من انفجار بركان الشر بين الفريقين هو الخوف على بيضة الإسلام لا غير، إلا أن الإنجليز تمكنوا قبل الحرب العامة من استجلاب كثير من ناشئة العرب، منهم من استجلبوهم بالمنافع الخاصة.
ومنهم من استجلبوه بطريقة الإقناع، وأوهموا العرب أنهم إنما يريدون ليجددوا دولة عربية كدولة بني العباس، أو دولة بني أمية مثلا، ويساعدوا العرب على تجديد مجدهم القديم، وعلى عمارة بلادهم التي لم يحسن الترك إدارتها، ولا عمارتها. فصار بين العرب حزب غير قليل ينزعون إلى الانفصال عن الدولة قلبا وقالبا متوقعين لذلك أول فرصة. ولا يمكن أن يقال إن هذا كان رأي الجمهرة من الأمة العربية ، بل في الحقيقة كان عقلاء العرب يفقهون أنه إذا وقع الانفصال بين العرب والترك تسقط بلاد العرب تحت حكم الإفرنج، فلذلك كانوا يختارون البقاء تحت حكم الدولة العثمانية خوفا من حكم الأجانب، واختيارا لأهون الشرين.
نعم لو كانوا على يقين بأن الدول الأوروبية تحترم استقلال البلاد العربية ولا تبسط أيديها إليها بالغصب والتقسيم، لكانوا يرجحون بدون شك انفصال عن الترك، والاستقلال بدولة لأنفسهم. ولكن عقلاء العرب كانوا لا يجهلون مطامع الدول الأجنبية، في بلادهم ولم يكن يخفى عنهم تصميم أوروبا على تقسيمها، وأنه لا عهد للدول المسيحية بإزاء المسلمين مهما عاهدت ولم يكن يشذ من العرب عن هذه العقيدة سوى بعض من لا تجربة لهم، أو من لا تهمه الجامعة الإسلامية في كثير ولا قليل.
ومنهم من كان الإنجليز يستخدمونهم في بث دعايتهم كأجراء لا غير.
ثم إن الاتحاديين ساعدوا بسوء تصرفهم واستخفافهم بأعدائهم هذه الأمم غير التركية في السلطنة على أنفسهم، ودخل في الجمعية الاتحادية عناصر كثيرة مفسدة كرهت الرعية بها. وكان رجال الحكم الجديد قد أقصوا عن وظائف الحكومة أكثر الذين كانوا يشغلونها، واستبدلوا بهم شبانا من حزبهم، فآسفوا جمعا عظيما لهم تأثيرا في السلطنة، لأنهم أصابوهم في أسباب معيشتهم، فانكسرت خواطر وتراكمت أحقاد، وتألفت فرقة جديدة من قدماء الرجال الذين كان يقال لهم الرجعين، وانتشرت لهم جرائد، وأعصو صب حولهم كثير من العوام.
ولما كان الاتحاديون يتظاهرون بالتفرنج ويتساهلون بأمور الدين، ويتكلمون أحيانا بما يخالف الشرع، مال جمهور العلماء وأنصار المبادئ الإسلامية إلى هذا الحزب الذي شرع بمصادمة جمعية الاتحاد والترقي، وألفوا تحت رئاسة الشيخ «درويش وحدتي» عصبة سموها «الوحدة المحمدية» وأخذ حزب الأحرار يمد يده على حزب الرجعيين ليكونا يدا واحدة على حزب الاتحاد والترقي، فاشتدت المعارضة في وجه الاتحاديين بينما هم مهملون للاحتياط، واثقون بأنفسهم، مستخفون بخصومهم. فاشتدت المناقشات في الجرائد، وازدادت العداوة بين الأحزاب، وإذا بالناس في 8 إبريل سنة 1909 تسمع أن حسن فهمي بك محرر جريدة «سربستي» قد قتل غيلة على الجسر وهو راجع من بيك أوغلى إلى استانبول، وكان هذا الكاتب من أكبر أعداء الاتحادي والترقي، فقيل إن الاتحاديين هم الذين أرسلوا من يغتاله، وقيل إن الذين اغتالوه هم حزب الرجعيين، وذلك لأنهم استشاروه في القضاء على الدستور والرجوع إلى النظام الحكم القديم فأبى أن يسايرهم في هذه المكيدة، فخافوا أن يفشى سرهم للحكومة فأرادوا التخلص منه فقتلوه، فهاجت الخواطر لقتل هذا الكاتب، وقدم ستة من مبعوثي المجلس سؤالا لناظر الداخلية عن هذه الحادثة، وتفاقم القلق في الأستانة وكان الرجعيون قد اتصلوا ببعض توابير من الجيش، واتهم السلطان عبد الحميد بأن له يدا في الدسيسة رأسا أو بواسطة أنصاره القدماء، فما شعر الأهالي إلا والعساكر قد ملأت ساحة أيا صوفيا، وأخذوا ينادون بإسقاط الوزارة، وعزل أحمد رضا بك رئيس مجلس الأمة، ويطلبون تسليم علي رضا باشا ناظر الحربية، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي ليقتلوهم، وكان بعض المشايخ علموا العسكر أن ينادوا بإعادة الشريعة وإلغاء القانون الأساسي حتى يملكوا بذلك قلوب العامة، وفي ذلك الوقت هجموا على نادي الاتحاد والترقي، وعلى إدارة جريدة «طنين» وعلى النادي العسكري وعلى نادي النساء ونهبوها وجعلوا عاليها سافلها، ثم انقض الجنود على ضباطهم فقتلوا منهم ثلاث مئة، وفر من الضباط عدد كبير من الأستانة، وتخبأ آخرون فيها. ثم هجم الجند على مجلس المبعوثين ليقتلوا منهم الاتحاديين المعروفين بمكانتهم في الجمعية، ولكن كان المبعوثون الاتحاديون قد علموا بالثورة وما يضمره الرجعيون المتسترون باسم الشريعة من نية قتلهم، فلم يحضروا إلى المجلس. وحضر الأمير محمد أرسلان رئيس لجنة الأمور الخارجية ومبعوث اللاذقية، وقيل له في ذلك اليوم إن ذهابه إلى المجلس خطر على حياته لأنه كان من الاتحاديين المعروفين، فأبى إلا أن يذهب ليقوم بالواجب وكان بلغه أن في نية الثوار إحداث مذبحة في الأستانة تحمل الأجانب على التدخل لأجل حماية رعاياهم فتسقط بذلك حكومة الاتحاد والترقي، فذهب ابن عمنا إلى المجلس ليحمل المبعوثين على مراجعة السلطان شخصيا ليبذل كلمته ونفوذه لأجل تسكين الثورة التي قد تجر وبالا عظيما على السلطنة ، فلما ذهب رحمه الله إلى المجلس لم يجد من نيف ومائتي مبعوث إلا ثلاثين أو أربعين مبعوثا فقط. فتكلم معهم في الموضوع وتقرر بينهم إرسال وفد إلى قصر بلدز ليعرض الخطب على السلطان، ويلتمس أمره الجازم للعسكر وللشعب بالسكون، فانتخب المجلس أحد عشر مبعوثا منهم محمد أرسلان ليقوموا بهذه المهمة. فلما خرجوا وركبوا العربات عرف محركوا هذه الثورة مقصدهم فردوهم من حيث أتوا وبينما هم على باب المجلس أوعز بعض المحركين لهذه الثورة إلى الجند بأن يطلقوا الرصاص على محمد أرسلان - وهم لا يعرفونه - فوقع شهيدا. ثم قتلوا أيضا ناظم باشا ناظر العدلية، وكان مرادهم أن يفتكوا أيضا بسائر أعضاء المجلس الذين لبثوا ينتظرون الموت مدة ساعتين.